القصة القصيرة جدا

استشرافٌ الأصيل

خيمة من ظلمة الليل مدّت سَدْوَها ، على صفحات مفتوحة من كتاب الصحراء، كأنّها شُدّتً بأوتادٍ على أطراف ذلك الأفق المرميّ على حدود الأرض، فكانتْ رهاءً حين مدّ البصر خيوطه ، وما انتصب حاجزٌ يكسر بسط المكان. هي أرض جهراء عجز الشجر أن يخطّ على بياض صفحتها أثره للبقاء. فيا أيّها المتأبط ما ترهل من ثيابه، أمَا ملِلتَ تجوب على صهوتي هذه الفلاة المَجْهَل الغَفْل ، كلّما قلتُ في نفسي : علّه يتوب عن رحلات صيده في هذه البيداء الكَلَد ، التي أضنتْهُ و أتعبتني، أراه يزدادُ في تتبّع كلّ ظبي له على الرمال آثار. وكلّ وحش ترك من فريسته بقيّة ، فيترك ما أنمى برميته، و يأخذ ما أصمى…يا صاحبي، أيّ لذة لك في هذا الشقاء؟ قد حُرِمْتَ المطعم الهاني ، فما أرى لك من مأكلٍ سوى السّخينة ، و اللّويقة ، و الرّبيكة …لولا المحبة يا صديقي ما حزنتُ ، فأنا أراني أحبّ شيء لديك . كم أسعد حين تدخل رجلك في الركاب ، و تنتصب فوق السرج كالسهم المفوّق ، إذا مدّ المسير له طريقا ، أراك تمدحني مدح الشعراء في حضرة ملك البلاط. تقول : يا أيّها الأدهم، المطهّم،الطّموح..وتقول فيَّ شعرا قد حَفِظْتَهُ من شاعر أحبّ رفيق وحدته :
مُكِرٍّ مُفِرٍّ مُقبِلٍ مُدبِـــرٍ مَعــاً كَجُلمودِ صَخرٍ حَطَّهُ السَيلُ مِن عَلِ
كُمَيتٍ يَزِلُّ اللِبدُ عَن حالِ مَتنِهِ كـَما زَلَّــــتِ الصَفــواءُ بِالمُتَنَــزَّل
لكنّني يا صاحبي، حين أرى الخيلَ الأصكّ ، والأزور، و الهزيل لها فضل على هذه الأرض، تحميها من الأيادي العابثة، وعند الحدود مجاهدة، أقول في النفس: ما قيمة تلك المدائح، وليس لديّ في هذه الدنيا فضل سيبقيني ، و يعليني. إذا أنشدتِ الخيولُ في الوغي قصائد النصر ، فأي قصيدة أتلو ؟ حياتي كلّ ما فيها ، تجوال وترحال بلا هدف .
يا صاحبي لوتدرك ما في نفسي من ألم ، لو تفهم لغة ضبحي ، وحمحمتي، وصهيلي، لسللتَ السيف من غمده ، وكتبتَ صفحة للمجد، تُعْلِينَا، وتُبْقِينَا.. فكفانا نقتل الوقت الذي خلقنا لنحييه . ونمحي ذكرنا الذي جئنا لنبقيه.
في المساء، رأيت في البعد ضوء خافتا، أدركتُ أنّ الخيلَ تحمي أرضها، و تكتب على صفحة المجد سطورا..انسللتُ من صاحبي المتلحّف بردائه ،على كوفان رمل ـ رغم ما في القلب من حبال الحب تجذبني إليه ـوعدوت نحو ذاك الضوء ، علّني ألقى هناك فارسًا أدرك المعنى الحقيقي للحياة ، فيكتِبَ اسمي مع خيل كتب التاريخ لها اسْمًا مُضيئًا، مع الكَمِيتِ ، والصَبِيحِ، و الصبورِ ،

السابق
قراءة في نص “خضراء”
التالي
حُثالة

اترك تعليقاً

*