القصة القصيرة

اصطياد الفار

التقيته في عيادة صديقي الطبيب النفسي، خمسيني يبدو عليه الوقار كأساتذة الجامعات، مهندم، يحمل بيده حقيبة أنيقة بداخلها (لاب توب)، على عينيه نظارة وعلى وجهه بسمة ودودة. كنتُ قد هاتفت صديقي أذكره بلقائنا الأسبوعي الذي داومنا عليه لسنوات، فرجاني المرور عليه في العيادة، ريثما ينتهي من الزبائن، ثم نتوجه سويًّا إلى (ساقية الصاوي) للانضمام إلى رفاقنا هناك. كنت مهمومًا ببعض متاعب العمل ويبدو أن صاحبنا قرأ بعض أفكاري فإذا به يبتدرني:
– الموضوع أبسط من كده بكتير، ما يستاهلش الهم دا كله، دا مجرد فار!
– فار؟
اتسعتِ ابتسامته وتحولت إلى ضحكة خفيفة وأردف:
– أيوه فار، ومش لازم تشوفه بعينك عشان تبدأ تنصب المصيدة، كفاية تحس بصوته، تسمع خروشته، تشوف آثاره!
اتسعت حدقتاي دهشة.. كيف عرف الرجل أن المشكلة مشكلة لص، تفلت علينا في العمل، وسلب قطع غيار بعض الماكينات فتوقفت عن العمل؟ سكت صاحبنا برهة كأنه ينصت لطيف لا أراه، حدَّقتُ في عينيه من وراء زجاج نظارتينا، لأتأكد من أنني المعني بالحديث، اطمأن قلبي باستمرار ابتسامته الودودة، وانحناءة رأسه، فخجلت من شكوكي.
أفقت على صوته مسترسلًا:
– مش المثل بيقول إن غاب القط، العب يا فار؟ انت ما أخدتش احتياطاتك، وهيأت له الظروف المناسبة، صدقني اللعبة حتطول!
تذكرت أن السرقات متتالية منذ شهر لخلل في احتياطات الأمن، وأن وضعي كمدير أصبح في غاية الحرج أمام رؤسائي، لا سيما وأن المجرم لا يزال طليقًا، ولا ندري متى وأين تفجؤنا ضربته التالية.
قلت مذهولًا:
– والعمل؟..دا.. رفع يده مقاطعا واستطرد:
– ما تعملش في نفسك كده.. كل ما حتتوتر حتغلط، وتزود فرص إفلاته.
سرحت في الخطط الفاشلة التي فكرنا فيها للإيقاع باللص، لكنه كان من الذكاء بحيث أفلت من كمائن المراقبة، وهرب بغنائمه عدة مرات، حقيقة كنا جامدي الفكر، وكان هو يطور ويغير أماكن السطو وأوقاته، فأعيانا وألقى الشك في نفوس بعضنا البعض. حتى فكر صاحب العمل في تغيير طاقم العمال بأكمله ونقل المديرين لمواقع أخرى.
تابع الرجل حديثه العجيب:
– طبعًا مش حنعمل زي اللى حرق الدولاب عشان الفار دخل فيه! لازم تلاعبه زي القط ما بيلاعبه بالظبط .. عينك عليه وخليه تحت السيطرة بس أجِّل الضربة للوقت المناسب.. ضربة واحدة ويكون فيها الشفا! خد كل احتياطاتك الممكنة: قطة، سم، مصيدة، اللى تشوفه مناسب، وخلي بالك.. لو عملت غير كده حيختفي وساعتها حتفقد أثره للأبد أو على الأقل لمدة طويلة!
كنا قد حصرنا شكوكنا في بعض الأشخاص، ووضعناهم تحت المراقبة، نظرًا لافتقادنا للدليل الحاسم ضد أي منهم. أحدهم عامل جديد ظروفه المالية سيئة فكرت في فصله وخفت أن أظلمه وتستمر السرقات من بعده.
استأنف الرجل حديثه بعد سكتة قصيرة:
– اقطع الراس يا باشا، قطع الديل عمره ما حينهي المسألة..
هل يشير الرجل إلى رئيس الوردية بالتحديد؟ ومن أين له هذا التشخيص الدقيق للمشكلة، وتحديد الفاغل من بين كل المتهمين المحتملين، ونحن لم نلتق إلا من دقائق معدودة؟ ولم نتبادل سوى تحيات المجاملة!
أحسست بدوار وصداع، ونظرت إلى ساعتي أتعجل الانصراف، وقد نسيت لماذا أتيت إلى هنا!
ختم الرجل حديثه وهو يصافحني، وينهض استعدادًا للدخول للطبيب:
– تماسك يا رجل! هو انت اللى حتموت والا الفار؟ دا حتى الأشجار بتموت واقفة!
صعقت حين رأيت الرجل ينحي سماعة (بلوتوث) من أذنه، وينهي مكالمته التليفونية مع مجهول، أخبرني الطبيب بعد ذلك أن الرجل أحد مرضاه، وأنه فني مكافحة حشرات، ويتقمص شخصية دكتور جامعي.

السابق
شرنقة
التالي
الحرمان

اترك تعليقاً

*