القصة القصيرة جدا

اعـتـقـال مـواطـن

جلس متقرفصاً داخل حجرة واسعة جداً، أربعة أمتار.. وأنوار الباحة تُلقي بأشعتها من بين فتحات الباب السيخي.. والأرض مكسوة ببقايا (عطن البول) وعيناه ترقبان العسكري، الذي أخرج التلفاز من حجرة المناوبة إلى الباحة الخارجية، لثلاث مرات قام بتعديل وضع التلفاز، وتحريّكه من مكان إلى مكان آخر، والمواطن يرقب.
– سعادتك أريد أن أصلي
العسكري يسمع أو لا يسمع وآخر يقول:
– ستأكل وتشرب وتصلي لا أحد سيمنعك!
والعسكري لايسمع
– سعادتك أريد الصلاة بإمكاني جمع الظهر مع العصر
التلفاز يعرض فيلم، والفيلم العربي عادة لاينتهي، كلما كان هناك تقارب في وجهات النظر جاءت مشاهد_منبثقة.
المواطن يريد الصلاة ويعاود النداء:
– سعادتك لو سمحت أريد الصلاة
فينهض العسكري متثاقلاً والريموت كنترول بيده و يبحث عن المفتاح. المواطن يتساءل في نفسه هل تجوز لي الصلاة؟ عليّ أن أصلي ولكن! هذا المكان غير طاهر للصلاة
– هل بمقدوري الذهاب إلى المسجد؟
العسكري يبتسم.. وابتسامته تقول:
– المواطن يطلب منّا أن نخدمه بالمجان
المواطن لايزال يسأل، يسأل في نفسه:
– هل عليّ أن أدفع لأصلي؟
الرشوة مقابل الصلاة.. والمواطن لا يفهم بل لا يريد أن يفهم.. العسكري يفتح الباب و يفتشه تفتيشاً شخصياً قبل الذهاب إلى المسجد أو قبل اقتياده إلى المسجد.. العسكري يقفز إلى داخل المسجد ويبحلق بنظره يمنة ويسرة.. المواطن يدخل بالرجل اليمنى.. والصلاة خشوع!
المواطن يسأل هل حقاً أنا أصلي؟ هل صليت أنا ؟
ثم يُقتاد إلى الرائحة النفّاذة وعطن البول.
رجل آخر يقول:
– أتريد أكلاً، أتريد مشروباً؟
والمواطن يدفع!
العسكري يبتسم.. وابتسامته تقول إنه لن يرجع الباقي، باقي المبلغ.. إنه مقابل خدماته.. تلك ليست رشوة
المواطن عادة رجل مهذب لايفهم.
العسكري يقول:
– ألا تريد الصلاة؟.. لابد من تقديم خدمة نظير ما أخذته منك
المواطن يسأل نفسه:
هل تجوز الصلاة؟
فقط يريد أن ينام، ماذا يمنعه من أن ينام؟ الحجرة واسعة جداً أربعة أمتار.. والرائحة لاتمنع النوم.. والبراغيث لا تنام.. المواطن بين الأربعة جدران يريد أن ينام والبرغوث ليس في خدمة الشعب.. المواطن يغفو ويصحو.. يريد الصلاة.
– هل المؤذن نادى بأن الصلاة خير من النوم ؟
العسكري ينظر إلى التلفاز.. أظنه الفيلم العربي بدأ أو انبثق فيلم آخر!
جميل جداً نصف قارورة البلاستك، تصلح للوضوء وللشراب
المواطن يعرف سيرحّلونه بعد قليل ..وبعد قليل، يضع وكيل عريف الكلبشات في معصمي الرجل، والمواطنون في الشارع ينظرون إلى ابن الشعب الخطير الشأن وعسكري الحراسة إلى جانبه..لا ليس خطيراً بل مهماً، عادة الحراسة تكون للرجال المهمين. ومحطة للحافلات ومسافرون يتساءلون
عن المجرم الخطير شأنه.
وكيل العريف يقول:
– اشتباه
الاشتباه في مسجلي الخطر يفرض وضع القيّد لمجرد الاشتباه، ودخول الحمّام ليس زي خروجه.. الرجل دخل حمّام العسكر.. واستعمال الحمّام ممنوع، لا ليس منعاً كلياً وإنما المنع يتوقف على مايوجب فك القيّد.. المواطن يتدرب بيولوجياً، وأن يستمع إلى نصيحة وكيل عريف:
في الحمّام عليك أن تفعل كذا ولا تفعل كذا لأنه ممنوع. اركب، اركب.
المواطن يصعد إلى داخل الحافلة.. عيون المسافرين تبحلق وتسأل وعادة المواطن يسأل نفسه سرّاً.. امرأة تتأسف على الشاب وتجهر بالكلمة _ نصيب _ وبناتها الثلاث إلى جوارها وتروي إنها ذاهبة إلى لجنة الحج والعمرة، دعواها أن يعطي بناتها عريساً ليس على يديه قيّد.
على بوابة الإدارة العامة عسكري يسأل:
– ده مواطن وللا أجنبي ؟
العسكر هم الذين يسألون جهراً.. يتباهى وكيل العريف بوصوله سالماً، لم يفترسه الذئب بل جاء به من ذيّله.
المدير يقول:
– نأسف كان مجرّد اشتباه
المواطن يقول:
– أريد الحمّام وأريد الصلاة بالمجان.

كاتب سيناريو، و مصور تلفزيوني.

السابق
منطق
التالي
مفاجآت

اترك تعليقاً

*