القصة القصيرة

الأبواب المغلقة

تعانقتِ الأحجار المرصوفة في الطريق، توحدتْ أشكالها، أحجامها، ألوانها، الزمن وأقدام المارين ألانتْ قساوتها، أصبحت ملساء ناعمة، قرون من الزمان مرّتْ عليها، عرفتْ وطأة أقدام مختلف الشعوب، هي صفحات من التاريخ، لو أبانتْ أسرار مَن مرّوا، لو أظهرتْ حروف أسماء مَن جاؤوا غازين، فاتحين، مبشرين، معلمين، داعين إلى دين جديد… لخلعنا ما علينا من نعال ومشينا حفاة لقداستها ، لكنّ صمت المكان طوى سجلّ تاريخها، أخرس أسرارها، ظلام الليل صبغ المكان بظلام الرهبة، أعمدة النور الخافت بالكاد تُريك أبواب المحلات المغلقة، وترسم لك امتداد هذا الطريق إلى حيث كومة من ظلام لم تبدّدها الإضاءة، ارتمتْ خطاي فوق أمواج الأحجار المرصوفة، ترميني على ضفتي طريق رستْ محلاته المصطفة بانتظام، الأبواب بدفتيها الزرقاء كصدور وأعجاز قصيدة تنبؤك بما في قلبك من حنين، ومن شوق يفوق كلّ شوق، وقفتُ أمام أبواب المكان أردّد للأمير كلاما:
وكـلُّ حضـارةٍ فـي الأَرض طـالتْ لهــا مـن سَـرْحِكِ العُلْـوِيِّ عِـرْقُ
سـماؤكِ مـن حُـلَى المـاضي كتـابٌ وأَرضُــك مـن حـلى التـاريخ رقُّ*
هي الأبواب المغلقة حين تمسك عن الكلام، فلا تنبّئك بما حوتْ، ولا تفشي لك بم أسرّت، فالأبواب في السوق العتيق ليست كالأبواب في أي مكان، لها روح وذاكرة وتاريخ، تشقّقاتها جبين شيخ انبرى يعلم المارين أنّ كلّ باب شاهد عصر من عصور. همستُ: أيّها الباب المغلق من أي عصر أنت…؟ وأنت…؟ وأنت…؟ لكنّ همسي لم يلق جوابا، صرختُ: علّموني…نبّئوني… فأنا الخارج من رحم التاريخ عريانا، مشرّدا، حاضري أيّتها الأبواب المغلقة التهابات سوط على ظهر بريء، إن صرخَ ازداد ألما، وإن صمتَ ازداد عذابا.
يدان غليظتان سقطتا على كتفي، فزعتُ، جُررتُ إلى الخلف جرّا، قدماي تتقافزان فوق الأحجار المرصوفة كتقافز العصافير في البيدر يوم الحصاد. صرخت، استوقفتهما، لم يعيراني اهتماما، واصلا في جرّي كجثّة نتنة، رمياني في سيّارة فاتحة مؤخرتها، عبرتْ العتمة إلى مجهول، كما يعبر الإنسان حيّرته الأسئلة في هذه الدنيا إلى مجهول آخرته، وأنا في هذا الصندوق الحديدي المتحرك، ورفاقي الصمت، وأنفاس متأبطي، عرفتُ أنّهما شرطيان، لقد اعتدت على مسكتهما. قلت في نفسي: من تأبّطه شرطيّ بيمينه فسوف يحاسب حسابا عسيرا، فكيف من تأبّطه شرطيان ذات اليمين وذات الشمال؟.
تساءلتْ في سرّي: ما الخطأ الذي ارتكبته اليوم؟ لا أذكر، راجعتُ دفتر ذاكرتي منذ أن دغدغ عيني هذا الصباح الضوء المتسرب من بلور المكسور من النافذة، صحيح البارحة كانت الكهرباء مقطوعة، نمتُ وأنا أسب وألعن شركة الكهرباء، أمن أجل هذا سُحِلتُ ؟ فتحتُ في الصباح الحنفية لأغسل وجهي، سببتُ ولعنتُ شركة الماء المقطوع، أمن أجل هذا سُببتُ؟ تأخرتُ عن عملي فسببتُ ولعنتُ شركة النقل المتأخر، أمن أجل هذا أُهنتُ؟ فتحتُ الجريدة فرميتها، ولعنتُ وسببتُ كلّ كاتب كلمة لا يرتجي منها كاتبها بذورا للحق تنمو، أمن أجل هذا ضُربتُ، ورُكبتُ، وصُفعتُ…؟ وقفت السيّارة بقوّة، سُحبتُ، وجُررتُ، ورُميتُ في مكتب سيدهم، نظر إليّ وضحك، قال لي:
ـ أمازلتَ يا هذا كلّما تحتسي خمرة الحانات القديمة تكلّم أحجار الطريق والأبواب المغلقة وتملأ صمت المكان صراخا؟
ـ مازلتُ يا سيدي ، مازلتُ.
ـ ما الذي يدفعك لهذا؟ أليس لك أصحاب تحادثهم؟
ـ ثلاثون عاما و أنا يا سيدي أكتب الأشعار وأحسبها أشجارا ستحميهم من لهيب الشمس، وإذا اشتدّ اللّظى ناديتهم، لكنّهم فظّلوا عنها اللهيب. ثلاثون عاما وأنا أستمطر غيمات أفكاري لتروي أرضهم العطشى، لكنّها ابتلعتْ مائي وغيض كلّ ما استمطرت. ثلاثون عاما وأنا أحفظ أسماءهم عن ظهر قلب، لكنّهم لم يحفظوا من أسمي أيَّ حرف.
وقف الضابط، ربتَ على كتفي وقال لي:
معك الحق أيّها الشاعر، الأبواب المغلق أكثر انفتاحا، والأحجار الصامتة أكثر أحساسا.
• من قصيدة: دمشق، لأمير الشعراء أحمد شوقي.
2017-03-21

السابق
كلب برهش
التالي
لا

اترك تعليقاً

*