مقالات

الأدب والنفاق الاجتماعي

ليس الأدب بوق شهرة، ولاهو بردعة حمار، ولاهو سجع كهان، ولاهو حديقة مجانية الدخول، ولاهو كيس ذهب، ولاهو تصفيق، وتعليق للأوسمة؛ … إنه صهوة حصان لايمتطيها إلا فارس الفرسان الذي يعلم علم اليقين أن هذا الفرس العنيد لاتروضه إلا حمولة ثقافية متنوعة هي زاده الرئيس الذي يعينه في رحلته السرمدية نحو معانقة المستحيل … أيها المنافقون ارحلوا من أمام عتبات المملكة النصية فقد شوهتم منظرها الجميل ، وليكن في علمكم أن أبوابها موصدة بإحكام لن تفتح لكم، ولو بقيتم متطفلين طول حياتكم …إنها تنتظر فارس الأحلام الجميل … فارحلوا …

وإذا آض الأديب منافقا اجتماعيا؛ فأقم عليه مأتما، وعويلا؛ ذلك أن الأديب هو طبيب المجتمع، والإنسانية جمعاء؛ فلغته الشعرية هي مشرطه الذي يقلب به الجرح ليزهر الأمل؛ وهي ” مختبر ” لا لتصنيع القوالب اللغوية فقط؛ بل لإنتاج ذلك الزخم من التساؤلات، والرؤى التي تجعل المبدع سواء أكان كاتبا، أم قارئا منتقلا، مرتحلا بين مقامات عجيبة؛ تواقا إلى الاتحاد بروحانيات ذلك العالم الغيبي، أو تلك الجمهورية الفاضلة التي تتجلى فيها الإنسانية في أبهى تجلياتها بعد أن اغتصبتها الشيئية، وتفننت في تشويهها في ذلك الواقع الخارجي الذي كثر فيه الهرج، والمرج، واختلطت آراؤه، وتضاربت أهواؤه …

إن الأديب الحقيقي هو من يكتب من أجل خدمة الإنسان خدمة لاتقوم على النصح، والإرشاد، والإملاء، والإلزام، و الأمر، والنهي، والقوة، بل إنها تصبو إلى تحريره من سياط تلك الأنساق التسلطية التي حولته إلى مجرد ورقة بيضاء قد تفننت تلك الممارسات القمعية في تسييجها بتلك الأطر، والقوانين الاستبدادية التي لها اليد الطولى في ممارسة سياسة ” الوأد الثقافي “، و تشديد القبضة على الكتابة إلى درجة إزهاق حريتها التي صارت مشاعية في تلك الجمهورية الفاضلة أين لايحيا فيها أهل السلطة السفاحون؛ بل هي من ملك الكاتب، وقارئه فقط …
فأجمل بتلك العيشة الفريدة على خارطة الورق !

في هذه الممكلة الجديدة تسقط أنظمة الأوامر والنواهي، ويقوم نظام الاختلاف ، والتعايش؛ فيها يتناقش الكاتب مع قارئه، ويتحاوران، ويتعلمان من بعضهما البعض؛ فما لايكتشفه أحدهما يكتشفه الآخر.

ولا يعني هذا أن المبدع كاتبا كان، أم قارئا حر حرية مطلقة في فعل ما يشاء إلى درجة إشاعة الفوضى في هذه المملكة؛ بل إن هناك قوانين ؛ ولكنها قوانين من نوع خاص؛ إنها ليست كقوانين العالم الخارجي تقيد الإبداع؛ بل إنها تنظمه تنظيما يضمن تفعيل الحركية الإنتاجية؛ باعتبار أن الحرية الإبداعية، والنظام لاينفصلان عن بعضهما البعض في مصنع اللغة الشعرية .

فالأديب الحقيقي ليس من تفرض عليه قوانين خارجية؛ بل إنه من يفرض على نفسه قوانين تعصمه من هوى النفس؛ وتجعل نصه الإبداعي أداة فعالة في بناء صرح الإنسانية، وتحميه من تطفل أشباه القراء.

فقوانينه هذه تفرض عليه ألا يبحث عن قاريء فارس، له موسوعة ثقافية يحيينها بقراءاته المتنوعة؛ علما منه أن أبجديات النص أمم لغوية لانهائية تزخر بطاقات هائلة هي أدوات أساسية لبناء أمم إنسانية متنوعة؛ لامحدودة؛ وهو فعل يعجز عن القيام به ذلك القاريء المفتقر إلى حقيبة ثقافية، وآليات نقدية فعالة، محينة؛ الهادف إلى امتطاء النص لتحقيق أغراض شخصية، وإيديولوجية؛ كالشهرة، والدعاية، والتجريح، فيسقطه من صهوته إسقاطا لاينجو منه ذلك الكاتب الذي يفتقر إلى ” الحبر السري “.

وقوانينه تفرض عليه ألايكتب من أجل الجائزة فقط؛ ومن أجل الشهرة، والمال فحسب؛ وقوانينه هذه تفرض عليه أن لايكتب إرضاء لسلطة معينة، وخوفا منها.
وقوانينه هذه تفرض عليه أن لايكتب من أجل إرضاء قارئه؛ رغبة في تحقيق الجماهيرية؛ …

فالقوانين التي تكون مفروضة من الخارج تكون مقيدة، في حين أن القوانين التي تنبع من الذات الصافية تكون محررة للأدب من شرك الإغواءات الشخصية نحو الاتحاد بالجرأة التي لاتنتج إلا ذلك القاريء الجريء؛ لأنها لم تكتب لترضي، ولم تصنع نصوصا على مقاسات محددة، بل إنها كتبت لتقلق، لتشوش، لتخلخل بنيات التوقع، لتكسر أفق التوقع وتغيره، لتصير المسافة الجمالية بلا تخوم، فيخلق الإنسان الحقيقي من جديد؛ وتكون النتيجة عالم جديد مؤسس بلغة جديدة لاتسلم نفسها إلا لمبدع جديد، شاذ، لايتكلم كما يتكلم جميع الناس …

السابق
خوروس – بوروس
التالي
ضجيج

اترك تعليقاً

*