القصة القصيرة جدا

الأرجيلة..

”تلك النار التي تأكل رأسي كلَّ يوم، لا تكفُّ عن إشعال فكري وهمّي وحديديَ الباردَ، أفكر في تلك الأفواه التي تقتاتُ من أنفاسي، وتمتصُّ دمي، وتفرح لغَرْغَرَة الدماء في جوفي، وهي بين ضحكٍ، أو تأملٍ، أو لَهْوٍ، أو تَجَلٍّ!”. كانت هذه هي الكلماتُ التي قالتها الأرجيلة النشوانة بعد أن اتخذت مكانها إلى جانب أختها النحاسية القديمة التي علا بعضَ أطرافها الصدأُ والجِنْزارُ، ردًّا على سؤالها: كيفَ ليلتُكِ؟!
فتهيأتْ هذه لتقول لها: قد كنتُ قبلكِ نديمًا للكَيْف والمَزاج، قلّما تشتعلُ النار في رأسي؛ فقد كنت محفوظةً لجلسةِ آخرِ أسبوعٍ هادئةٍ، تجمع أحبةً يقدّرون ذلك الكيفَ. فإذا ما انتهوا مني عدت نظيفةً إلى خزانتي الجميلة، في انتظار ليلة أُنْسٍ أخرى! وها أنا قد طواني النسيان، فلا أحد يرغب في قديم عتيق.
– لستُ بأحسنَ حالاً منكِ؛ فلئن طواكِ النسيانُ فإن ذلك خيرًا لك من أن تكوني مثلي مُبْتَذَلَةً في كل درب، يطلبني الصغيرُ والكبيرُ، والغنيُّ والفقيرُ، من ذكورٍ وإناثٍ. لعلكِ تَرَيْنَ سعادتي بعملي وزَرْكشتي التي أزدان بها، وعودتي راقصةً جَذْلى في آخر الليل، منتشيةً في انتظار ليلة أخرى.
* لا بأس يا عزيزتي، ستمرُّ عليك الليالي والأيام، ثم تُرْكَنين هاهنا إلى أجل غير مسمّى!
– أعرف ذلك! وأعرف أن متعتي في كل يوم تموت باحتراق رأسي، صرتُ بلا كرامة، أُنادى في كل حين فألبّي، أسمع أحاديثَهم؛ يكونون في أعمالهم كأحسن ما يكونون، لكنهم عندي يغدون كأطفال فارغين، أحاديثهم بمَزاجهم فيَّ؛ مع أني أجزم أن لا مَزاجَ في نارٍ تحرق تبغًا ومالاً!
* لكنهم ازدادوا عن أيامي كثيرًا؟!
– صارت كثرتُهم لا تعدُّ ولا تُحصَى.
* أكلُّهم أهل كَيْفٍ ومَزاج؟!
– لا أظن! بل قليلٌ منهم ذلك. أكثرُهم يملأه الزهوُ والافتخارُ والمباهاةُ، وبعضهم يقلّد بعضًا بلا وعيٍ، ومنهم من يتصنّع المَزاجَ ولا يعرفه!
* أتسمعينَ أحاديثَهم؟!
– نعم، وبكلِّ أسفٍ! لا يتركون موضوعًا إلا طرقوه؛ إلا أنَّ أكثرَ ما يَشْغَلُهم الرياضةُ؛ رغم تضادّها مع ما يَتَعاطُونَه!
* أتدرين؟ رغم أني حبيسة هذه الخزانة منذ سنين، وهم طلقاءُ يروحون ويغدون، إلا أنني أراهم حبيسِي شهوة لا تُسمِن ولا تغني ولا تُمتِع، بل تَضرّ ولا تَنْفعُ؛ وهذا هو الحبسُ المُشين!.

السابق
أوزار
التالي
اعترافـات

اترك تعليقاً

*