القصة القصيرة

الأرضُ تموت

الشمس لم تغب ولم تنحدر وراء الأفق كعادتها كل يوم ..بدا البعض ينظر إلى ساعة يده ..تبادل الناس النظرات المريبة فيما بينهم ،..عقدت الدهشة ألسنتهم ..ساد القلق في الشوارع والميادين والمحال التجارية وفي البيوت ..عند عبورمؤشر الساعة العاشرة ليلا ،اتسعت حدقات العيون دهشة ودارت أسئلة غريبة فوق الشفاه ..أسئلة حيرى ..ولا من جواب ..في منتصف الليل المُفترض اقتعد الناس على دكات بيوتهم وتوقفت السيارات كل في مكانه ..اتصل البعض بهيئة الأنواء الجوية ..لا جواب ..أصابتهم الحيرة وجلسوا يتحدثون كل فرقة على حدة ..لم يتوصل أحد الى نتيجة ..تردد السؤال في كل الأماكن دفعة واحدة ..خرج مذيعو القنوات الفضائية والشحوب يرتسم فوق ملامحهم قائلين :
_أين اختفى الليل ..أين الظلام ..مالذي جرى ؟.
خرج بعض العلماء على القنوات الفضائية وتحدثوا كثيرا عن اختفاء الليل ..لم يقتنع المشاهدون أنهم مقبلون على كارثة كونية عظمى ..ثم خرج بعدهم علماء الدين ..من المسلمين والمسيحيين واليهود والصابئة والايزيدية والبوذيين والهندوس ولم يتوصل أحد منهم الى قناعة تامة عن هذا الاختلاف الكوني واختفاء الليل وعتمته التي تعوّد عليها الناس من ساكني المعمورة .
في اليوم التالي عاد الناس إلى مشاغلهم وقضاء أعمالهم اليومية وهم متوجسون من تلك الحال.. والمصيبة العظمى لو تكررت هذه الليلة أيضا ..الوجوم يخيم على وجوههم والحيرة ترتسم في عيونهم ..بدا على بعضهم التعب والأرق ..ولكنهم يتأملون هذه الليلة ان يعود كل شيء الى مكانه ويحل عليهم الليل كعادته كما عهدوه منذ مئات السنين ..
بيد أن الليل لم يحل ووقفت الشمس منتصبة في كبد السماء تصهر بنارها الأجساد المتعبة ..
أصاب الجميع الخوَر والعناء والتبرَّم..
لم تعد الأجهزة الكهربائية والمراوح والمكيفات تعمل بصورة مرضية.. فقد بان التعرق والتعب على الأجساد والوجوه ..اتصل البعض بأقاربهم في النصف الثاني من الأرض في بلدان بعيدة يسالونهم عن أحوالهم ويشكون لهم ما أصابهم ..فكان الجواب أنهم يعانون من سديم الليل ولم تطلع عليهم الشمس منذ يومين ..توجه الناس مذعورين إلى علماء الفلك ووقفوا على أبوابهم يسألونهم عن هذه الحالة الغريبة ..بعض العلماء امتنعوا عن التصريح وأغلقوا أبوابهم لكثرة الأسئلة ..والبعض يجيب باجابة مبتسرة ثم يرحل تاركا في قلوبهم غصة وألما ..تم استدعاء أحد العلماء في التلفاز من أصل عربي تحدثت معه قناة البي بي سي قال بالحرف الواحد :
_أنا آسف لإخباركم أن مايحدث كارثة كونية ..عذراً ان قلثُ لكم أن …سكتَ قليلا و أخرج غليونه وقال للمذيع و هو يسحب منه نفساً طويلا :
_عذراً ..اسمح لي بالتدخين ..
_على راحتك أستاذ ولكن ما رأيك بتلك الظاهرة ..الناس في حالة هلع ووكالة ناسا امتنعت عن التصريح ؟
_بصراحة ..بصراحة ..إن الأرض توقفت عن الدوران ..نهض المذيع من مكانه وصاح مندهشا:
_أرجوك لا تمزح ..نحن على الهواء.
_لا أمزح ياسيدي ..فعلاً أن الارض كفّت عن الدوران ..هذا ماحصل …يؤسفني التصريح بهذا.
_أنت مجنون ..أتعرف ماذا يعني أن تتوقف الأرض عن الدوران ؟
_اجلس في مكانك من فضلك ..أنا أعرف ماذا سيحصل لو استمر النهار دون الليل
_كم سيغيب الليل برأيك ..كم يوم أخبر الجماهيرعن زوال تلك المحنة ليطمئنوا ؟
_الموضوع ليس بيدي ولا بيدك ..سيستمر النهار دون الليل والشمس ستظل بازغة ولن تغيب عنكم حتى تجف أنهاركم وتغور مياه العيون وتجف الآبار ويهلك الزرع وتتعفن الأطعمة وستحدث مجاعة رهيبة.
_وماذا بعد ..الناس في النصف الآخر من الكرة الارضية يعانون الآن من طول الليل ..أعني أنهم لم يروا وجه النهار منذ يومين ؟!
_سيموتون أيضا .. الناس جميعا ستموت ….أنا سأموت معكم لا ريب في هذا ..
قال المذيع متسائلا بارتباك واضح :
_مالسبب العلمي برأيك حضرة البروفيسور ؟
_باختصار شديد ..إن الأرض فقدت حرارتها..بطن الأرض غدت باردة جدا ..الأرض فقدت جاذبيتها كلياً..من فضلك دعني أرحل الآن ..تركَ العالِم مكانه وانسحب تاركا المذيع يخمش وجهه كالمجنون .
انطفأت القناة وتم قطع البث …الفضائيات كلها أُغلقت وهاج الناس في الشوارع كالمجانين يبحثون عن ملاذ.. البعض قام بتشكيل فرقة مسلحة لاقتفاء اثر علماء وكالة ناسا والبعض هجم على المجمعات الفلكية في كل دولة اختفى فيها الليل ..البعض منهم هجم على مقرات الحكوما ت الرسمية ..هاجت وماجت الناس في كل مكان ..دور العبادة غصَّت بالتائبين ..فيما ازدهرت المشارب والملاهي بزبائن جدد يبحثون عن مشروبات تنسيهم وقع الفاجعة القادمة !

السابق
أفلاطونية
التالي
الفرجةٌ

اترك تعليقاً

*