القصة القصيرة

الأرض…

توارت الشمس، غاب الأفق.
بدت الغابة مثل متاهة ممتدة، مخيفة ولا نهائية، يزحف عليها الليل فتغرق في صمت رهيب.
في الخلفية بعيدا يسمع صوت البحر.
جلس هناك تحت شجرة الأركان العجوز يلتقط أنفاسه، أخرج علبة السجائر، أشعل واحدة وراح ينفث ذخانها من غير متعة، أحس كمن يدخن تبنا أو أعشابا يابسة، هكذا يشعر في كل مرة يتملكه الغضب، تفقد السيجارة ذبيبها اللذيذ، تصبج مقرفة وبلا طعم.
ينزل المطر مدرارا، يضرب بقوة، تنفخ فيه الريح، تذروه، يتباطئ للحظات ثم يضرب من جديد بقوة أكبر وكأنه ينتقم من سنوات القحط والجفاف التي توالت على البلدة.
جلس هناك هادئا ينتظر، وينصت للصمت الرهيب، يشم رائحة الأرض فتملأ عليه كيانه، يسمع صوت المطر، يستشعر برودته تخترق ملابسه وتنفذ إلى تفاصيل جسده.
عب نفسا أخيرا من سيجارته، أرسل الدخان بعيدا ودفن عقبها في التربة المبللة، خلع جلبابه الصوفي، رماه جانبا، قام إلى المعول وراح يحفر الأرض بهمة.
بدا الأمر وكأنه يبحث عن شيء ما تحت الأرض، توالت الساعات، يتوقف للحظات، ينتصب، يمسح حبات العرق من على جبينه، ثم يعود إلى العمل بهمة أكبر وهو يدمدم كلاما خفيضا يكاد لا يسمع.
– أنا لست شريرا ولكنني أكرهك، أنت تستحق، أنا الآن أكرهك أكثر بسبب كل هذا الذي حدث…حذرتك، مرة، مرتين، ولكنك عنيد، مرات كثيرة نبهتك أنها أرضي، أرضي أيها الغبي ولكنك لا تفهم…
تراجع خطوتين إلى الوراء، توقف أمام الجثة الضخمة يتأملها للحظات، كان الرجل الميت في وضعية جنينية، متكورا على نفسه، بدا وكأنه يغط في نوم عميق وعلى وجهه ترتسم بقايا ابتسامة مؤلمة، وحدها نظرته المنطفئة، وخيوط الدم الأحمر الرفيع الذي مسحها المطر ولونت شعره وعنقه تشير إلى موته.
تردد قليلا، انحنى، أمسك الجثة، سحبها برفق ولكن بقوة وجرها في اتجاه القبر، دفعها، حاول إنزالها في الحفرة دون جدوى، فالجسد القوي تصلب، تخشب، أفقده المطر وبرودة الليل مرونته…
أزاح الجثة، سحبها في الإتجاه الآخر، نزل إلى القبر مرة أخرى وراح يحفر عميقا، يزيح الحجارة والتراب، يوسع الجنبات ويهتم بالتفاصيل الأخيرة، ثم أخيرا عندما قدر أن القبر قد استوى، عاد إلى مكانه تحت الشجرة.
أشعل سيجارة أخرى وراح يمتص الدخان ويتأمل الفراغ.
أحس كمن يداهمه الموت، عاد بذاكرته إلى الوراء، استرجع شريط حياته في صور قوية، سريعة ومتلاحقة.
انخرط في حوار داخلي صامت.
تسائل:
– لم حدث كل ذلك؟
عندما بدأ الناس في مغادرة القرية كان الأمر غريبا، غامضا ومستعصيا، بدا الأمر شبيها بعقاب أو لعنة إلاهية، توالت سنوات الجفاف، غادر الفقراء الذين لا يملكون شيئا في اتجاه مدن وقرى بعيدة، بعضهم اشتغل مياوما في حقول الآخرين، بعضهم أجر أبنائه رعاة لمواشي الكبراء وأعيان القبيلة، والبعض الآخر تخلى عن أرضه مقابل ثمن زهيد ورهون مشبوهة.
أما هو فكان حاسما منذ البداية، تمسك بالأرض، رفض الإغراء وقاوم الضغوط بشراسة.
بسبب الجفاف والفقر والجشع والصراع على الأرض عادت العبودية، سافرة أحيانا، وأحيانا مستترة وراء أقنعة السخرة والخماسة وأعمال البر والإحسان.
لا يفهم كيف حدث ذلك، ولكنه قرر ذات يوم أن يفعل شيئا، قرر أن أمور القبيلة لن تستوي أبدا إلا إذا استأصل الشر من جدوره.
تملكه الغضب، مزيج من الغضب والألم.
آلمه كثيرا جشع الأغنياء.
وآلمه أكثر نذالة الفقراء الذين باعوا حقولهم وتحولوا إلى سماسرة وشهود الزور يتاجرون بمآسي الآخرين.
عندما لاحت الخيوط الأولى للفجر كان كل شيء قد انتهى، استقرت الجثة في قرار عميق، وقف ينظر صامتا للحظات، أومأ بإشارة خفية يخاطب القتيل.
– كان ينبغي أن تحشر مع الآخرين في حفرة واحدة.
عاد المطر…
رفع بصره إلى السماء، تسمر في مكانه للحظات يستشعر الزخات الباردة تغسل وجهه، ألقى نظرة أخيرة على القبر ومشى في اتجاه البحر.

السابق
لسعة
التالي
كُرَمَاء

اترك تعليقاً

*