القصة القصيرة

الأرملة

أمضت ليلتها ساهرةً أرِقَةً حتى بزوغ الفجر على الرغم من طولِها ، حاولت أن تدرك الحقيقة , نظرت لها بعينين ثاقبتين لا من وراء حجاب وهي تسمع أصوات الصخب والقلقلة لسرف المدرعات المزعجة والسيارات العسكرية المخيفة التي تقل الجميع إلى غرف الموت ، غوغاء الحديث وزمجرة الجنود وكأنهم أشباح مخيفة ، رأت ومن على شرفتها الثلجية سرب طيور النوارس هاربة إلى المجهول ، كانت مرتدية ثوبَ نومها الخفيف الشفاف الذي يفتح نوافذ صدرها بعبق الجمال وشعرها الأشقر الحريري الذي يؤطر استدارة وجهها الجميل حتى بدت وكأنها الشمس .
التفتت إلى الأسفل فرأت جمعاً من الجنود المتجمهرين تحت شقتها يلوّحون لها بأيديهم ، وضابطاً بينهم يلوِّح لها بهاتفه المحمول ويشير لها بأنه سيرمي لها رقم هاتفه بورقٍ لفَّ به حجارةً علَّه يصل شرفتها البيضاء ، كان منظرهم مخيفاً ، أسرة عسكريه قذرة , كأنهم محتلون لدولة أخرى بحثاً عن الرأس الأكبر. خرج طفلها خلفها فصرخ بوجهه أحد الجنود , فأصابه الذعر والهلع ، ارتعشت ليلى مع ارتعاشات طفلها الخائف , فخبأت صدرها بيدها ملتحفة سريرها خوفاً وارتعاداً . أصرَّ الجنود أن يدخلوا شقتها بحجة التفتيش والبحث عن الأسلحة ليستمتعوا بالنظر لجمالها الفاتن وعن سرّ مخدعها الجميل …. ركض الجنود وهي تسمع وقع أقدام تصعد السُّلَّمَ أو تهبط عليه , رُكِل البابُ ركلةً قويةً , كانوا ثلاثةً يتقدمهم ضابط برتبة ملازم ، أصواتهم خناجر تمزّق صدرها الذي لفَّ معاناة السنين.
– أتملكون سلاحاً في البيت ؟
– لا وماذا نفعل به ؟
ــ أين زوجكِ ؟
ــ خرج إلى عمله كعادته كل صباح
ــ وما عمله ؟
ــ يبيع الحديد بمتجره في ساحة السِّباع
ــ ما اسمه ؟
ــ احمد

صرخ بصوت عالٍ فتّشوا البيت آمراً أحد الجنود بالوقوف أمام الباب, بعد أَخذِهِ طفلَها الذي أزعجه بكاؤه وصراخه , ليكون حاجبا منيعا دون دخول منجدٍ أو مسعفٍ لبيتٍ أعزلَ لم يخلع ثوبه الناصع للغرباء …
قال لها مزمجرا مستذئباً :انهضي
نهضت من سريرها وسط حجرتها المنكوبة على شرفتها الثلجية الكئيبة التي كانت تطرزها الأزهار في زواياها الأربع , وغرفة نومها الخشبية البيضاء المُتَّكِئة على جدار فستقي الطّلاء , وتقابله المرآة الملتصقة بجدار وردي مجاور لشباك مطلٍّ على شرفة شقتها , لتكون ملكةً للجمال بطولها المتسق والمتناسق مع مرونة خصرها الشفاف , واضحة المفاتن بثوبها الساحر الذي كان زوجها قد اشتراه بذكرى ربيعِ ميلادها الثلاثين. أغراه منظرها , فهمَّ أن يعبث معها , رافعاً سريرَها بقوّةٍ , وساحباً وسادتها ,فأسقط لباسها الداخلي وحمالات نهديها الناضجين بين قدميه , ازدادت شهوته نحوها , فتقدّم نحوها قائلا بلهجته الدارجة وبكلّ سخافةٍ ( شنو هذا )….؟!!!!!!.
صمتت دون إجابة , ذارفةً دموعَها على خديها الجميلين محاولةً الاستنجادَ بأيّ أحد دونَ جدوى … ؟ فلم يسعفها سوى نشيجِ الضَّعفِ والمرارةِ بصبغة الأسف المحلى بـــ ال العراق وعينِهِ المكسورة على مر العصور. لم تجسر البقاء على هذه الحال خوفاً من تطوّر الموقف, بينما كان أحد الجنود يعبث بخزانة ملابسها وهو يستعرض أمامها سخافته مستهتراً بمشاعرها , وقهرِها المنفلق بصمت الظلم الساحق لكرامة الإنسان واللاإنسان القابع بأرضنا المحتضرة , همّت أن تخفي صدرها بيديها دون جدوى وركضت نحوه , فرشقها الملازم بإناء الماء الذي كان قريبا منه , التصق ثوبها الشفاف على صدرها المتجبر أنوثة وجمالاً , ووركها المستدير والمتأخّر بآنية اللهفة , واللهيب المتأرجح تحت خصر أخّاذ , حاملا صدرَها المُثمِر بحلمتين بارزتين استثارتا ذكوريّتهم الجائعة المكبوتة التي تفجرّت عابثة بلؤلؤة ناصعة بغنج تاء التأنيث والنون التي سقطت بجبّ الكيد الذي حوّل كيدَ الجَمال عزاءً في بكارة ذلك الصباح الباكر .؟. تقدّم على قيد خطوات منها , وكان تقدّمه كوطأة سكين حزّت عنقها , فدفعها على السرير محاولةً أن تبعده بصراخها . وضع يده على فمها عابثا بصدرها , متلمسا بأطراف أصابعه ارتعاشات بطنها المشتعلة شوقاً للالتحام القسري الذي طفح بضوع عطر أنوثتها البابلية , منبِّأةً مغتصبيها بأنها حضارة , لترى نفسها مستسلمة لشهوته ورغبته باستسلام جسدها الذي يجتذب القلوب ويعانق النظرات المفترسة التي تنهش عطرها الطافح .

وصل احمد إلى باب شقّته لِيسمع صراخ زوجته الذي حوّله لنارٍ لاهبةٍ , فمنعه الجندي من دخول شقته, ودفعه دفعةً قويةً ليرى قميصَ شقّته قد تَمَزَّقَ من قُبَلٍ ومن دُبرٍ, فسحب الجنديُّ بندقيته مسدّداً فوهتها نحو رأسه , فصرخ الملازم :
– ضربه الجندي، قتله الجنديّ…
عندها سقط العراق قتيلاً ليعلنَ عشتاره أرملةً لتموزنا الأسطوريّ الذي عشقته حدّ الوله.

السابق
ثورة أرملة
التالي
نظراتٌ

تعليق واحد

أضف تعليقا ←

  1. انور الموسوي قال:

    اروع ماقرأت ، حقيقة وبلا مجاملة هذه القصة اخذتني نحو الدهشة والمتعة، لدرجة اني قرأتها لثلاث مرات.

اترك تعليقاً

*