القصة القصيرة جدا

الأريكة

كل مساء نتهيأ للخروج ، هي ترتدي ملابسها وتحمل حقيبة يدها وأنا أخلعُ بيجامتي وأرتدي بنطلوني وقميصي الوحيدوأحمل عصاي ، ثم نخرج معا ،نسير في ذات الشارع الذي نقطعه كل يوم مشيا على الاقدام ،كالعادة ندخل تلك الحديقة العامة ونجلس على ذات الأريكة الخضراء .
مرتادو الحديقة قليلون ،الأجواء هادئة إلاّ من زقزقة العصافير وهديل الفواخت ،يجلس كل منا في طرف ،نادرا ماأتحدث معها،أنا أحب الصمت ،لاأحب الثرثرة كثيرا ،عندما يحلُّ الليل ينسحبُ الرواد .
ننهضُ سويا بلا كلام ونعود أدراجنا في ذات الشارع الذي تتصطف على جانبيه الأشجار العارية والأضواء الخافته المعلقة برقاب أعمدة حديدية حانية رؤوسها نحو وجه الشارع الإسفلتي ، نجلس في بيتنا نجتر الماضي نأكل ونشرب و ننام .
ماتت زوجتي ،توقّف قلبها المصاب بالعجز ذات ليلة ..فرغ البيت منها ،تركتني وحيداً ،مراسيم الدفن لم يحضرها سواي ..أنا والدفّان العجوز فقط ، كعادتي أخرج لوحدي، أقطعُ الشارع الطويل ،أجلسُ على الأريكة ذاتها في الطرف خاصتي.
الطرف الآخر خاليا إلاً من طيفها وهي تجلس واضعةً ساقاً فوق ساق ، تنسج لي بالسنارة بلوزة لبرد الشتاء القادم ، خرجتُ في اليوم الذي يليه، لم أجد الأريكة في مكانها ،رأيتُ مكان قوائمها محفورا ،كأنما اقتلعت من جذورها .
سألتُ عن مدير الحديقة أرشدوني إليه ..عاتبتهُ على رفع الأريكة من مكانها ،أخبرني أنها فُقدت منذ الصباح ولا أحد يعرف أين اختفت ،انقطعتُ عن زيارة المكان بعد أن عنّفتُ المسؤول بشدّة .
.بعد أيام توجّب عليّ زيارة قبرها في طرف المدينة ،عند دخولي المقبرة فوجئت بوجود ذات الأريكة قرب قبرها ! ..استفسرتُ لدى الدفّان عمّن وضعها حذاء قبر زوجتي ،أجابني قائلا:
_للمرّة الأربعون ، أُأمرُ غلماني بحمل الأريكة ووضْعْها في غرفة مكتبي ..نعودُ في صباح اليوم التالي لنجدها في المكان نفسه قرب القبر.
..ماحكاية الأريكة من فضلك ؟!

السابق
الدَّارُ الباردة
التالي
عرض تحليلي نقدي لنص “الأريكة”

اترك تعليقاً

*