القصة القصيرة جدا

الأسد

كان جدي هو سيد القرية وحاكمها بلا منازع، كانت حديقته التي لا تدركها الأبصار لفرط اتساعها، تحيط بقصره ذي الألف حجرة أو يزيد، كانت الحديقة تحوي شتى الأشجار والمزروعات، وسبحان الله أصاب الجفاف كل أراضي القرية، وبقيت حديقة جدي تئن أشجارها ومزروعاتها تحت وطأة ثقل ثمارها، وكلما استفحل الجوع خارج أسوار حديقته الحجرية، كلما امتلأت مخازن جدي بكل ما لذ وطاب حتى اضطر إلى بناء مخازن عددها أضعاف أضعاف المخازن الأولى، وكم رأيت بأم عيني إمام مسجد قريتنا ومعه عدد من أهلها الذين يبدو على قسمات وجوههم آثار الجوع القاتل، وهم يحاولون استعطاف جدي ليمنحهم بعضا من فتات مخازنه يسكتون به عواء معداتهم الخاوية، إلا أنه أبى حتى بعدما سمع الشيخ يحدثه عن الرزق واليقين وووو وكلما تحدث الشيخ والناس واستعطفوا، على جدي من جدران حديقته وأسوار قصره، حتى بدتا، الحديقة والقصر كحصنين منيعين ، ولم يفطن جدي أن الجوع كافر، وان الجائع قد يأكل الطوب، فقد صنع الجائعون كوة في السور تسللوا منها وسرقوا بعضا من ثمارها، وسبحان الله كلما كانوا يسرقون كلما زادت الحدائق غلتها، ورغم أن جدي العزيز لم يكتشف تلك الفتحة لفترة طويلة من الزمن ولم يلاحظ نقصا في غلات مزارعه، إلا أنه عندما اكتشف الأمر يوما، أصر على جلب المهندسين المهرة من الخارج، فصنعوا له سورا حديديا صلبا أحاط به مزارعه ومخازنه وقصره، وأصبح من المستحيل اختراق المزارع إلا من الباب الرئيسي الذي يتولى أمره طغمة من الحراس الأشداء، يمنعون الجياع بأسلحتهم الفتاكة، وبقي الجياع ينظرون للثمر على الشجر، ويعجزون عن الوصول إليه وبقيت مخازن جدي تزيد وتزيد، كان جدي في البدء يهتم بحراس مزارعه ويتخمهم بطعامه الشهي، حتى لما اطمأن إلى منعة وقوة أسواره، وما بدى له أو ظنه من استسلام الجوعى، بدأ يطعم حراسه الكفاف حتى أوشكت قواهم أن تخور أو هي خارت بالفعل، حتى أنه في المرة الأخيرة عندما احتشد الجياع أمام الأبواب، وجد الحراس أنفسهم جميعا وبغير اتفاق يفتحون الأبواب للجوعى وينطلقون معهم نحو المزارع والمخازن والقصر، وحبسونا مع جدي في أحد الأقفاص الحديدية التي كان جدي يستخدمها في حبسهم، وجعلونا نشاهدهم وهم يوزعون بينهم بالعدل ثمار مزارع جدي والتي رغم ذلك، كانت غلاتها تزيد وتزيد، ونحن نتلمظ جوعا داخل سجننا نتفرج عليهم وهم يأكلون.

السابق
جدايل
التالي
خطيئة

اترك تعليقاً

*