القصة القصيرة

الأقحوانة الغجرية

دثرت جسدي من تفاصيل التعب العالق من رحلة الشتاء ، مدينتي في أقاصي الهضاب عارية يدثرها البرد والصقيع الأسود في أيام “ذابح ” الميتة ، لم يكن للبقاء هناك نكهة تستدعي الإنغراس في طين الرحم، رغم غبن الصحراء و نهم غربتها المحفور على وجهي وتميهها مع سيول الفيض ودفء الأم الممتلئة بالحنان والرعش .
كانت الرحلة مسنة شائخة يدفعها اللوع والحرقة للقاء الأقحوان ، الأخيلة أحلام تتوالد بجنون وتستطيل في مخيلتي مطاطا بشبه السراب، منذ وصولي مدينة أدرار مدينة الشمس القريبة والزمن الرتيب رتابة التاريخ المكرر الذي لا يمنحنا غير القهر ، وحركة الإنسان التواتي و الطارقي الأزرق والآخر الهارب من مدن الشمال فسيفساء من لحم ودم تحيك جسد الصحراء المثخن بالوجع والملكوت الصامت ، أسبوع من زمن الوصول وحط الرحال على أرض يباب تتلحف بصمت الرمل، زمن مستطيل الوجه تتطاول فيه أطياف القبلي الرمادية وتتمطط كامرأة بشعة تنقب عن صورتها البهية ، الأقحوانة الغجرية رحلت كما رحلت ذات مساء ،كان رحيلها مغموسا بنكهات الولادة والانبعاث رغم حصار المرض والذهول الذي زحف في صمت على جسدها ليخرق نسيجها الرهيف ويمنحها موتا مؤقتا .
تسمرت قابعا مذهول الحراك يجذبني طيفها كشبح جريح يحلق في أجواء الذاكرة يبدل وضعيات تحليقه ويقبع من حين لأخر مقرفصا في اتجاهي يدعوني للانتعاش والصبر الرتيب.
يردد الصدى داخلي
” إنك راجعة بلا شك تحملين مفاتيح الروح والشفاء …”
كانت يداي تلامس يديك في وجول ودفء رهيب ،حينما طفح وجه أمك التي انطفأت داخل البيت
قلت أنك تحدثت لها بشأن مجيئي للسؤال عنك ، كنت تقطعين كل خيوط الأشياء التي يمكنها إبعادي عنك، كنت تملكين قرار القلب ومفاتيح سراديبه
كان جمودي أمام صقيعك يثيرني للبوح ،وأنا أمدك تلك الورقة الصغيرة التي خطيت فيها أرقام قلبي بقطرات من دم وأنفاس حمراء من الروح الشاردة إلى روحك
عدت بعدها أدراجي على أمل أن اسمع صوتك يرن أملا مع رنات الهاتف حينما تعودين، وأنا أرمي الخطوة رمل روحي حاملا إشارات الوداع المر ، ينتابني انقهار سادي مؤلم يكلس مفاصلي ، رفعت آخر أشلائي متضرعا للإله كي تعودي بنسغ الملائكة ويفاعة الحور …
بقيت بعدك للأمل الضاوي أتنفس رماد الذكرى والزمن الجميل ، أدفع كوابيس اليقظة ليخترق صوتك غشاء صمتي وخيام الغياب ، كان الأثير صهوتك وفارسك الجامح الذي يقتلع قلاع القلب …
دون تردد حملت ثقل الجسد بحسم
وأعلنت في سري
” يجب أن أكلمك الآن… ”
خطواتي تباعا تتصارع للفوز بالسباق والوصول إلى المجمع الهاتفي ، كانت اليد أسبق لحمل السماعة ، برنات متكررة رن الهاتف ، سئلت بخجل
” – هل أقحوانتي هناك “؟
– نعم
… ـ من فضلك أريدها …
ليتوقف الصوت داخلي ويبدأ الدق و النبض في الصهيل والجنون ، صدري يتداخل بأصوات الأحصنة البرية الراكضة بلا وجهة وحشرجات الخوف تنمو بعنف دون توقف ، لا أعرف ماذا دهاني لم أعد سيدا على جسدي ولا على هذا القلب، تملكني الفشل ذاك الشبح الهلامي الذي يلتهم الفرح دائما في شفتاي ،رحلة وجع مصفى بدأت منذ فقدت الحلم ،دخل الصوت في تلك اللحظات بسرعة البرق .
– نعم من.. ؟
– ألم …تعرفيني …- أنا…
– بلى …كيف حالك
لم تزد المكالمة عن روتين الغرباء لترحل اللحظة هاربة بالحلم الذي لا يعود ، تاركة طعنتها المرة في أصيص القلب ، كل الأماني تميهت كحبات برّد حاصرها الانحباس في قلب الغيم،لتتلاشى مع أول كلمة يابسة كبقايا عيدان جرفها الريح على صدري ، تكرر في داخلي صدى المكالمة الجافة ، المخذلة …أعادتني الفجيعة إلى درجه الصفر ، درجة تجمد فيها الكون من حولي ، فشلت يدي ،فوضعت السماعة لأعود منهارا أمسح الممرات بلهث الغريب التائه , مكسور الضلوع والوجد ..أبلع أسئلة الوعيد والجفاء…
” سأرحل من هذه المدينة ولن أعود…ربما امتلأت بي …وأصبحت أثقل من الجبال الرواسي على كاهلها …لم تعد تطيقني….لم يعد صوتي يمنحها الرغبة في البوح .
– محيت كل ملامح العودة إليها أثناء الرحيل،قد تكون هذه نهاية مأساة شاركت في نسج خيوطها بيداي دون أن أدري , قد يكون دربي غير دربها …
– الحقيقة أنني رحلت بكل أهوال الخيبة وشحوبها محملا بوجع في الكتف كنت قد تعرضت لحادث جعلني أجد عذرا لرحيل من المدينة التي تصورتها منفاي ، زمن مستطيل الأذرع خالجني بهواجس الحنين والخوف مسطور بوجع لايطاق على صفحات القلب، كنت أكثر قدرة على الإفلات والمناورة ،لا شيء يجعلني أفكر فيها وإن حاولت فلا مجال للقاء بها ، مدينتي مفصولة عن مدينتهم بأزمنة و أميال بعيدة .
لكن الرحيل لابد له من نهاية ولا بدا للحلم من وقع على صخر الواقع ليتلاشى كما تتلاشى كل الأشياء الجميلة في الذاكرة ،كل شيء أصبح وجها لوجه…هاأنذا عمودا جامدا أنتظر صوتك ، ذاكرتي أغمستها في إناء منسي ووقفت رسائل الألم التي كنت أزرعها بلا توقف في صدري ،لم أعد أفكر في شيء سوى أن ألقاك بحب دافئ، أزمنة هاربة تمر بعصف الريح البارد على سطوح الروح لتجرف كتل الجليد التي حاصرت القلب .
وأعود بعد وجعي للعبة الحلم …أحلم …أحلم وأهرب أيضا كي لا أصادفك في طريقي…
لعلي سأنساك وتنتهي معاناتي ،هكذا انسلخ السر داخلي.
جلست أحملق بأعين فارغة ، أتلوى من حين لأخر لأكسر رتابة الجسد …الذي لم يعد يعرف بوصلته ،لعلي كنت محترقا بلوعة الانتظار …كما تعودت دائما،
أصبحت المعرفة في ذاكرتي تعني الانتظار …أنتظر الليل لأنسج حلمي وأحارب كل تلك الطواحين التي تصورت لي عدوا شرسا يريد افتكاك مني وأنتظر النهار لأسمع صوتك المبحوح وهو يعبر أثيريات المدينة ليلاقني وجها لوجه، ربما كنت ستمرين بطيفك الخجول وفي دمي تلاحقيني عبر ممرات الذاكرة لتكبل أخر معصم في القلب .
أرخيت سدول الجفن لأراقب طيفك وألتهم صوتك المسافر مع الريح الذي كان يخلخل جدران البيوت ، كانت رسالة الحنين تدعوني لألتصق بخيط الحلم و لأمرغ أنفي في رمل البحث عنك .
انتفضت أسابق الريح بأقدام تتطاير في إ تجاهك .
وصلت منهك القوى يملأني الشوق إليك …
انتظرت كثيرا كان مكان عملك دعوة مبيتة لأبقى أصارع قدر الانتظار،أسئلة كثيرة مملة تميز العالم الثالث …
أسئلة بوليسية تحيك الحواجز وتنمو بسرعة في وجهي لتثبط عزم لقاء بك ،كنت محترقا محموما لرؤيتك تجذبني إليك الراحلة كوكب الشرق في أغنيتها ‘‘ أنا في انتظارك…خليك..*
حملت كراستي الحمراء الممتلئة بك ،كلها قصاصات لقصائد مهربة لأعترف لك بالحب …قلبتها ذات اليمين وذات الشمال بأعين زائغة تحدق بلا جدوى ، كنت شارد ا أمشط ممرات المكان لأتفاد طعنة أخرى من هذا الزمن الذي صار لا يمنح سوى الجراح .
انتظرتك وإذا بك تطلين كفراشة دفعها الفضول.
هاأنت واقفة ممتلئة الوجه تشكلك ابتسامة خفيفة مبهمة قدمت يدك الصغيرة في اندفاع خاطف مسترسلة بوابل من الأسئلة.
-كيف حالك ؟هل أنت حي آم ميت ؟ طال غيابك هذه المرة.
لم أعد قادرا على الرد ، خطفني استرسالك في الجفاء ، بعيدا يملئني التيه، رحلت ألوك أسئلة الغرابة
-أيعقل أنها لا تعرف أنني مريضا متهاوي , مفصول الكتف ،
خطفني سؤالك .
-‘‘ أين كنت في كل هذه المدة … لم يعد بداخلي سوى سيل بارد من صقيع الشفاه لأروي ظمأ سؤالك
بارتهان هزيل رددت بومض …‘‘ كنت في عطلة مرضية …
لينطفئ داخلي حريق الشوق وحريق كل الانتظارات التي أكلت مني العمر دون أن أدري، أمئت لك كي تجلسي بقربي لعلها آخر فرصة في زمن الخيبة والوجع لأستجمع قواي وحرارتي وأمتص منك ما ضاع في الغياب ،لكنك أمئت للانصراف لأدخل كحلزون مرعوب داخل قوقعته هاربا ، تراءت أطياف الإحباط والنكسة بين ناظري …
‘‘ ألم أقل أن الفرح يولد ميت ببرودة مرة المذاق في شفتاي .
عدت أدراجي على وقع النهايات التي طالما حبست شمس الأمل في عنق الغيم وصدى صوتها يلاحقني برنين موخز ‘‘أرجو أن تكتب لي قصيدة وتتصل بي.

السابق
تفضيل
التالي
المتكأ

اترك تعليقاً

*