القصة القصيرة

الأقنعة

رغماً عني تشدّني قدماى لهذا الطريق، كأني آتٍ من رحلة طويلة مرهقة.
لا أعرف لماذا اخترت هذه المدينة بالذات؟
مدينة بلا حدود، كأنها تمتد في فَلاة، تسبح في السراب، وذلك الشارع الرئيسي تقذفني فيه قدماى، هو نفس الشارع الذي كان يراود خيالي في تلك الأيام الماضية، تصطف عليه المحال من الجانبين ذات فاترينات كبيرة واسعة، كلها متشابهة تبيع نفس السلع.. مسخ لنسخ بشرية، وجوه حية تغرّ الزائرين.
عبرت أكثر من نصف الشارع، ولا أعرف مقصدي، لفت انتباهي أحد المحال، أعجبتني طريقة العرض، واللافتات المهذبة داخل الفاترينة، لافتة كبيرة كتب عليها (كن حذراً في الاختيار حتى لا تموت حياً) سرت في نفسي قشعريرة، وزاد نبض قلبي من صراحة هذه اللافتة، ترددت، قّررت الفرار، لكن شيئاً ما دفعني كيْ أختار ما يناسبني بثبات وهدوء.
في تلقائية عبرت داخل المحل، قابلتني ابتسامة زجاجية من البائع، وفي صوت آليّ قال:
ـ تفضل ها هنا.
أشار في آلية جهة اليسار، ركبت قطاراً عبارة عن غرفة زجاجية متحركة، سارت في ممر ضيق في سرعة وخفة، كالبائع المنتظر للزبون في خلاء المارة، وكساد البضاعة، ورهبة المكان تأخذ عقلي وتجعلني متجهماً، لا أفكر في شيء، كأني مقبل على مصير محتوم لعملية جراحية، فيها أغيب عن الوعي، ولا أعرف إن كنت سوف أعود مرة أخرى للحياة أم لا.
سلمني هذا القطار لغرفة زجاجية أخرى أكثر ضيقاً.. عاليةً علواً مبالغاً فيه، لا تحوي غير فراش أبيض صغير، أُغلق الباب، واستسلمت للفراش، بينما صاح صوت آخر في نفس الآلية:
ـ تجرد من ملابسك.
ترددت، ثم صاح الصوت:
ـ استعد.. انزع نفسك.
بطريقة لا شعورية وجدتني أخلع ملابسي المتواضعة الرثة، مجرد قميص وبنطلون لستر بدني، تجردت قطعة قطعة حتى غبت عن الوعي تماماً على آخر قطعة، كأني أخذت حقنة مخدر كبيرة..
لا أعرف كم مضى من الوقت علىّ في هذا المحل، ولكنّي قد كنت دخلته ساعة الظهيرة والناس نيام تقريبا، والشوارع تخلو من المارة، ثم خرجت في الليل والحياة تدب في الشوارع، وقد أنارت وتزينت بشكل يلفت النظر، وزحام السيارات والمارة العابرين في سرعة وخفة، على وجوههم الجد وشيء من المرح، كـأن هناك شيئاً حقيقياً يحدث، يربط هذا الجمع ببعضه، ولكن معالمي قد اختلفت تماماً عن شكلي السابق، يبدو أني ازددت طولاً واحمر وجهي، والتمعت عيناي ببريق ما، وذهني صافٍ، وأشعر أن رأسي حشر بآلاف المعلومات ومئات الكتب، وشيء من الأناقة في البدلة السوداء، والقميص الأبيض ورباطة العنق الحمراء، وحقيبة أنيقة في يدي تحوي بعض الملفات المهمة، وبعض التقارير السرّية، نعم.. أيقنت أني صحفي لامع، ورئيس تحرير لجريدة قومية كبيرة.
من أول وهلة خرجت فيها إلى الشارع، قابلتني أنظار الناس تتأملني، منها من يتأكد من شخصيتي، وأخرى نظرات باسمة تتذكر موقفاً لي أو رأياً حاسماً جريئاً. عبرت الطوار الآخر، ومررتُ من نفق ضيق يؤدي إلى شارع آخر أكثر اتساعاً وبهجة، ودلفت مشرباً مشهوراً، كأني أعرف المدينة كلها، يبدو أني زبون مستديم في هذا المكان بعد أن قابلني النادل في تحية واحترام، مد يده ناولته الحقيبة في تلقائية، وسبقني بها على طاولة صغيرة في زاوية أحد الأركان حولها مقعدين، وعرفت أن هذا مكاني المفضل، وضع النادل الحقيبة، وجرّالكرسي وأذن لي بالجلوس فجلست، وأسرع منصرفاً دون أن أطلب منه شيئاً، ثم عاد في نفس الخفة يحمل معه زجاجة ويسكي وكأسين، وضع الزجاجة في الوسط وكأساً أمامي والكأس الآخر أمام المقعد الخالي، في تلقائية أخرجت علبة سجائري، وهمَّ النادل في نفس الخفة والسرعة، فأخرج من جيبه ولاعة يشعلها لي، ثم أخذت نفساً متمرساً عميقاً وهو يصبُ لي كأساً، وانحنى في أدب وانصرف.
كانت هناك قضية تشغل بالي.. هل أقبل هذه المرة الصفقة وبعدها تستقرّ حياتي؟مليون جنيه كشريك وجيه له حيثية، وعلاقات واسعة في جميع الأوساط، ورأي قيِّم يُؤخَذ به.
حاولت إقناع نفسي بأن هذه الصفقة شريفة وليست رشوة؛ كيْ أغضَّ بصري عن المشروع وأصحابه.
عشرون عاماً مشواري الصحفي، ومازلت أبيض اليدين، لا أمتلك حتى شقةً للزوجية، ولا أحيا الوضع اللائق بمركزي الاجتماعي، الناس ينظرون إليَّ كأني أمتلك عزباً وأطياناً، وسيارة فاخرة، وأني أعيش حياة رغيدة.
إنهم لا يتصورون أني أعيش على راتبي كأيّ موظف عاديّ في الدولة، ولا يتصوّر أحد أني لا أستطيع الزواج بمن تربطني بها علاقة، صار لها ثلاث سنوات، هي الممثلة الشابة الحسناء دلوعة الشاشة في هذه الفترة، وأنها تحلم كبقية زميلاتها في المجال بحياة أكثر ثراءً.. فيلا وسيارة آخر موديل، وأعمالا فنية في المحطات الفضائية العربية بالدولار، وعريسا أميرا عربيا يشتري لها طائرة خاصة أو قناة فضائية.
كانت نظراتها تصرخ في وجهي وهي تجلس في المقعد أمامي:
ـ هل من جديد ؟.
ترددت في الإجابة، ووجدتني أقول:
ـ قولي مبروك.. حبيبك سوف يمتلك مليون جنيه.
رجعت إلى الخلف في ابتسامة ساخرة، ثم أخرجت علبة سجائرها، وأمسكت بواحدة منها بجانب شفتيها بعد أن أشعلتها، وارتاحت بخدها على كفها، وهي تدفع شريط دخان حاسم قاطع، وقالت ببساطة:
ـ إذن اتفقنا.
ثم اقتربت مني هامسة:
ـ لابد الآن أن نعدّ لحظنا، ونغتنم الفرصة.
رقصت عضلات وجهي، وارتعشت شفتاي وأنا أردد:
ـ نعم.. نعم، ولكني لم أوافق بعد.
قالت في لهفة:
ـ على ماذا؟.
ـ موضوع المليون جنيه.
قالت في برود مهددة:
ـ إذا لم توافق سأسافر إلى الكويت.
قلت في حسم:
ـ هذا العقد الذي سأوقع عليه.. عقد غير شرعي.
ابتسمت في خبث وهي تقول:
ـ مثل علاقتنا ببعض.
قلت في خبرة المحاور المحنك:
ـ لكن الأمر يختلف.. المسؤولية في علاقتنا مشتركة.
ـ يا سيدي لا عليك، ولكني أحب أن أعرفك أني لا أستطيع أن أقوم بعملية إجهاض مرة أخرى بعد اليوم.
وهي تقول:
ـ يجب أن نعرف ماذا ينقصنا؟ وما هو الشيء المحدد الذي نريد فعله؟.اصطدمت النظرات في ارتباك، وصمت، وأنفاس ساخنة تتعانق، صبّت كأساً وحركت إصبعها في نعومة على حافته
ترددت كثيراً قبل الذهاب، وفكرت أن أنسى الأمر كلّه،لن أذهب؛ بهذا أكون قد تحررت من هذا الاتفاق، لكنهم سوف يُلّحون علىّ كثيراً، يجب أن أذهب، وأعلن لهم رفضي حتى أقطع دابر الموضوع.
ـ مبروك.
قالها كبيرهم وعلى وجهه ابتسامة وفرحة، كما زيّنت البسمة وجوه كل شركائه، نظرت إليهم وهم يبتسمون ابتساماتهم الخبيثة، وكأني وقعت في براثن شرك محبوك، وبدوا لي على رغم ما يرتدونه من بدل سوداء أنيقة، كأنهم بملابس واحدة، وهم يتأملونني على صمتي واندهاشي، ويزداد ضحكهم وضجيجهم، ويُخيّل لي عيونهم الزجاجية التي خرجت عن وجوههم، كأنها تخرج من ضفادع عجائز، ورؤوسهم الصلعاء يغطيها ثمة طاقية صغيرة في وسط الرأس.. بجلابيبهم السوداء الضيقة من الخصر.
عرفت من هذه الصورة التي ملأت مخيلتي، لِمَ اختاروا هذا المكان البعيد النائي. في صوت آمر قال كبيرهم:
ـ هيا وقّع هنا.
ابتلعت مرارة حلقي وأنا أقول:
ـ لكن أنا جئت إليكم اليوم، كي أوضح لكم أني منسحب.
ضجّوا ضاحكين وهم يتغامزون وينظرون إليّ في شماتة.
حسمها كبيرهم قائلاً:
ـ الوقت قد فات.. ما يجب عليك الآن إلا أن توقع على العقد بأنك شريك معنا.
ـ لكنّي ما اتفقت على أن أكون شريكاً معكم.
اقترب مني في خبث وهو ينحني على أذني:
ـ هذا تفضل منّا حبيبي.. أنت شريك دون أن تدفع مليماً واحداً، وسوف تحصل على مليون جنيه، تستطيع بها أن تتزوج ابنتنا وأختنا العزيزة.. الفنانة التي استحوذتْ على قلبك وعقلك.
عادوا إلى الضحك مرة أخرى، وأنا في اندهاشي وأوصالي ترتعد صرخت فيهم بخيبة أمل:
ـ نحن اتفقنا على أن أغمض عيني عن مشروعاتكم داخل البلاد كيْ تستطيعوا التوسع برؤوس أموالكم وتساعدوا الشباب.
قال الكبير:
ـ معك الحق، لكن حبيبي الاحتياط واجب، من الممكن أن تنقلب علينا وتفتح العيون علينا، وتقلب الرأي العام بقلمك البتار الذي يخشاه الجميع، ومن ورائه الجماهير الجائعة، والثورة الكامنة.. وهم بغيتنا.
ـ بغيتكم!.
ـ نعم.. نود مساعدة الجميع.
ـ إذن أنتم تورطونني معكم!.
ـ حبيبي لا يوجد أيّ ورطة.. نحن نحبك، ولا نثق في أحد غيرك؛ فما توقيعك ها هنا إلا نذيرٌ لك بأنك شاهد علينا فيما اتفقنا؛ فلا تنكره أبداً بعد اليوم.
صرخت في ضيق وخزي:
ـ لكنّي لا أستطيع.. لا أستيطع.
ـ الوقت قد فات.. لا أحبّ أن نذكرك بأنك مهّدت لنا وعرفتنا على عملاء، وظهرت معنا في كل المحافل والمناسبات، وشهدت الصور الفوتوغرافية والسينمائية والتسجيلات على ذلك أمام الجميع، هيا.. هيا، حتى تخرج من هنا وتبدأ حياتك الجديدة، وتنعم بالسعادة، ولك عندنا هدايا كثيرة بعد ذلك؛ كيّ تتأكد من حبنا لك. جثموا جميعاً علىّ، وشعرت بصهد يخرج منهم يتخلل جسدي، وينزع قلبي، أكاد أُصاب بإغماء حتى ارتعشت يدي، وهي تمسك قلماً آخر على عقدهم وميثاقهم.
ـ الآن قد أصبحت أكبر مما كنت..
ـ كانت حفلة الزواج تضم كثير من الشخصيات المهمة، والحقّ كنت أسعد مخلوقة على الأرض، وتوالت على العقود والمشروعات الفنية.. هذا من جانبي، أما أنت فأصبحت في قلوب الجميع تأمر؛ فتطاع.
ارتميت في زاوية الغرفة أشعل سيجارة من الأخرى، ويكاد عرق الخزي يتسرب من مسامّ جسدي يبلل كل ملابسي الرسمية، وشعرت أني كنت في أعماق مياه راكدة عفنة.
اقتربت مني، أول مرة أشعر أنها حية رقطاء تلف جسدها تعتصرني.
ـ ما بك؟ لا أشعر أنك سعيد! ألم يكن هذا حلمنا؟.
صرخت فيها وأنا أحاول التخلص من ذراعيها التي طوّقتني، وجثمت على صدري:
ـ ابتعدي عني.
ـ ما بك؟.
في حرج تداركت أمري:
ـ لا شيء، دعيني أخلد للنوم بعدها أخرج من هذه الحالة.
ـ وليلتنا؟.
ـ كفانا لياليَ.
سيدي الرئيس في انتظارك ضيف من جهة أمنية يطلب مقابلتك.
قمت في فزع من على مكتبي قائلاً:
ـ ماذا؟!.
ـ ما بك سيدي.. الأمر يبدو بشارة خير، كلنا في العمل نتوقع ذلك، ويجب أن تكون أولنا.
ـ لا.. لا فقط أنا مرهق.. لم أنم من وقت كبير، دعه يدخل واجعل الأمر في غاية السرية من فضلك.
– هذا تكليف يضاف إلى مسئولياتك المتعددة.
ـ لكن أنا لا أستحق.
ـ ماذا؟!
ـ أقصد الوقت غير مناسب؛ لديّ تصفية بعض الأمور.
ـ ربما المنصب الجديد يساعدك على تصفية هذه الأمور بطريقة أسهل، معذرة يجب أن أنصرف وعليك الحضور غداً هناك للتوقيع الرسمي أمامهم جميعاً.
هذه حقيقة لا أستطيع أن أصرح بها لأحد؛ أنا متأكد من سلامة نظري، المرة تلو المرة أنظر في المرآة لا أرى شيئاً!..
أحقاً لا أراني؟
الحقيقة فعلاً أني أقف أمام المرآة ولا أراني، هذه الحقيقة تشغل بالي، تكاد تكدر حياتي التي تتطاير، وتخترق السحاب بصاروخ أسرع من الصوت إلى القمة قبل أن أدرك كل نجاح، أو بالأصح كل موقع اجتماعي جديد، وهذا المنصب الجديد أُعتبَر كوزير، أستطيع حقاً تصفية كل أموري وعلاقاتي بطريقة أسهل.
ـ كل مرة تقف أمام المرآة أكثر من ساعة حتى آتي إليك أحكم لك رابطة العنق، وأفرد لك ياقة البدلة.. قل لي بربك، ماذا ترى في مرآتك؟.
ـ أنتِ!.
لا أعرف لماذا قلتها؟ ولكني تداركت الأمر وعدت أضيف:
ـ أصبحت لقاءاتنا نادرة، صار لي أكثر من أسبوع لم أركِ.
ـ أنت تعلم يا حبيبي أني مشغولة جداً، ولو متابعني لكنت عرفت أني أصوّر في الغردقة من أسبوع وتليفونك مغلق.
ـ وأنت تليفونك مغلق أيضاً.
قلت في ضيق وأنا ارتمي على الكرسي في يأس:
ـ الناس تعود من حيث بدأت.
ـ بالعكس الحياة تتطور بطريقة مذهلة، نحن لا نستطيع اللحاق بها، أنا من أقل من ساعتين كنت على بعد ألف كيلو من بيتي.
ـ ما يراه البعض تطوراً يراه الآخر تخلفاً.
ـ دعك من فلسفتك هذه، وقل لي ما أخبار منصبك الجديد؟
ـ أنا ذاهب الآن لأضع خطة العمل الجديدة، وسوف أعرض ما ننوي تنفيذه في اجتماع كبير لكل من تحت رئاستي في كل الهيئات والفروع.
ـ عظيم.. أظن أنك أول مرة تلتقي بهم وجهاً لوجه.
ـ البعض منهم أعرفهم جيداً، والبعض الآخر كنت أتسمّع أخبارهم، كنت فخوراً بهم قبل أن أتولى هذا المنصب.
ـ أشعر أنك خائف متردد كعادتك.
ـ بالفعل.. أنا لا أريد الذهاب، أخشى خداعهم، ولكن الأمر لابد منه.. أتعرفين أن من بينهم الأستاذ الدكتور رءوف شديد؟
ـ أعرفه.
ـ وأنا أعرفه جيداً.. كان أستاذي في كلية الحقوق، هذا الرجل الذي تتلمذت على يديه، وعلمني فن الحياة..أعطاني أكثر مما تحتويه المناهج الدراسية.. أكثر مما أرى وأكثر مما سمعت.
ـ هذا يجعل لقاءك بهم مشوّقاً.
ـ بالعكس كيف لي أن أرأس أستاذي؟
ـ لا.. إيّاك وهذا.. منصبك منصب اختياري لكفاءات خاصة، وهو يمثل الدولة والحكومة؛ فلابد أن تتحلى بالحزم والشدة في بعض الأحيان.. حتى يدرك مرءوسوك مهما كان وضعهم.. أنك الأكفأ والأقدر، ولا يطمعون فيك، وتذكر أن العيون عليك.
في فزع ورهبة قلت:
ـ العيون!.. أيّ عيون؟
انفلتت مني لساني، وأنا لا أعرف أني قد نطقت بها، أم أنه سؤال يصرخ ويتردد بداخلي؟.
ـ مبروك عشرة ملايين دولار، وأشهر وأقرب وزير في الوزراء، ولك الهيمنة على كل وسائل الإعلام.
ـ طُظ..
قلتها ساخرا من نفسي، والمرارة قطعة من المطاط ألوكها داخل فمي، وصدري يختنق.
ـ ماذا تقول سيادتك؟
ـ لا.. لا عليك.. فقط تسرقني نفسي.
ـ الله يكون في العون.
بأيديهم وصلت إلى آخر الدراجات، وعلى نفس ابتساماتهم الخبيثة ونظراتهم المبحلقة المبهورة، ألمحهم يتلصصون من خلال نافذة زجاجية خاصة فوق رؤوسنا، يتزاحمون عليها يلصقون وجوههم، التي تبدو كرسوم الكاريكاتير بعيونهم البارزة المتورمة، وصلعاتهم المتشابهة، وجباههم العريضة بحواجبهم الكثيفة، وأذانهم الكبيرة، وأنا أخطو كيّ أجلس بين رفاقي في مجلسهم الموقر حول المائدة المستديرة؛ لنصنع القرار، ونرصف المصير في التعليم، والصحة، والدين، والزراعة، وكافة المجالات التي تعني المواطن، وانا رغما عني معبأ بملفاتهم وأفكارهم..
أنال ترحيبهم وتهنئتهم وتقديرهم، وهم يحدقون فيّ من خلال أقنعة يرتدونها، تبدو عليهم واضحة ومحددة على وجوههم، ترسم أدوارهم بدقة وما كلفوا به، بينما يشير رئيسهم على المقعد المخصص لي، أشعر بالاختناق، يدور المكان من حولي، أنتحي جانباَ رغماً عني أتقيأ.. أتقيأ حتى الغرغرة، شيء ما يدفعني خارج المبنى، أجري في خوف ورعب.
الشارع يثور، يضجّ ضجيجاً مروّعاً، الكل في صراع، كأن الجميع في أتون كبير يغلي من خمسين سنة، يقلّّبه شياطينُ ماكرة بعِصيهم السحرية..
الأتون يفور..
الجرائد، والمجلات، والإذاعات، والمحطات الفضائية كلها سوداء، لا أستطيع قراءة أو سماع أو مشاهدة أياً منها، أشعر بالصمم..
الحقيقة عندي.. آلاف الموتى، مدن كبيرة تحولت إلى أكوام تراب، ودخان أسود، امتلأت السجون، مئات الأطفال تحطمت على رؤوسهم المدارس، وتشرّد العمال والمواطنون في البقعة المرصودة..
الكل أصبح سكارى في الشوارع، وعلى المقاهي في ضحكة البلاهة ودموع الحسرة، وخنقة الصدور وغل الاغتصاب..
الكل تحالف عليهم.. حتى أنا..
أيمكن أن أكون واحداً منهم؟
جندياً من جنودهم يحمل سلاح جراثيمهم؟
معولاً في أيديهم يفلق رؤوس الآلاف؟.
ها هم مدبرو الأحداث، أراهم قد اختفوا لبعض الوقت، حتى تهدأ العاصفة، وأنا أهيم على وجهي بين الشوارع والأزقة، أغوص في أشلاء الجثث وبحور الدم..
ولكني أراهم، أعرفهم جيداً، يضحكون من بعيد، وينفخون نفخاتهم السامة في الأتون بنظَّاراتهم الأنيقة تخفي غِلّ العيون، وابتسامة من الكاوتشوك المطاطي.. تتحرك بدقة لا توحي بمعنى محدد، عبارات رنّانة تتوعد وتتوعّد بقطع دابر الإرهاب وظلم الإنسانية، وتصرخ صرخة توحي بالصدق، أنهم سوف يعملون على إقامة السلام والأمن بين شعوب العالم، تخترق الأسماع وتملأ الرؤوس في عرض مستمر.
هنا أسمع.. هنا أرى، أجري، أسمع صراخات الأطفال، وصيحات الشعوب تطالب بالنيل مني..
أرى الحقيقة القذرة.. أرى نفسي، وفي هلع أفر من كل مكان، تأخذني قدماي إلى حيث بدأت.
أقف هناك.. أنزع الماكيت.. أفقأ عينيّ؛ يخرج منهما شريطان من دم أسود لزج، أنبش صدري، أقبض على قلبي، قلب أزرق يتلوّى كالحيّة، أضغط عليه في غيظ أعصره.. لا يموت.. أمضغه بأسناني.. لا يمل الحركة والدق..أصرخ،أجري كالمصروع، أقف أمام المحل، أراهم في انتظاري وهم يضحكون ويهللون، يشربون الأنخاب، يهنئون أنفسهم..
أتصلّب.. ارتمي.. أغرغر، يحملون جثماني في سعادة بالغة، وهم يحشرونني معهم

السابق
تفريق
التالي
الربح…

اترك تعليقاً

*