القصة القصيرة جدا

الأموات يتكلمون ..؟

فجراً ، زرت قبر أبي.. فلم أجده ..اختـلطت علي القبور ، تشابهت ، تآكلت .. جلست على حافة قبر قد يبدو قديماً ..
قبور قريتي مصفوفة وممتدة ، يبدو أن ملاك الموت قد نظف حقل الدنيا من البشر .. سافر خيالي بعيداً ، وراح يتجول بين تجاويف الـقبور ، وأنا متأكد أن ضوء الحياة ينعدم فيها …
في الليل المظلم، والناس نــيام ، تتزاحم الأموات في ما بينها.. تتداخل وتتلاصق العظام… تزيح حواجز التربة .. تدخل أرواحهم في حوار عسير.. فيتم الاعتراف بخطاياهم … كل واحد يقرأ صحيفته الدنيوية على مهل .. يبحث عن ممحاة… يحاول أن يحرّف.. يتحايل على السطور أملا أن يعـدّل خطاياه.. لكنه لا يجد قـــلـماً..؟ !
في غياب الناس ليلا.. كان الخنشوفي يعود من الحانة متأخراً.. يتبول على جدار جاره.. يطول الماء في الخروج.. وهو يحلم باللحظة العابرة..؟
يسأله من يعرف جغرافية القبور ، هو يختبئ فيها منذ مدة ، ينتظر وينتظر.. !
ـ ماذا كنت تشرب في الدنيا.. ؟
ـ ماءً.. ! سيدي ..ماء طاهراً..؟ !
ـ ماءً طاهراً فقط .. يا خنشوفي ….!؟ يدوّن… يسجل… يصادق على ما جاء في الصحيفة .. يعطيه بطاقة : خذ..؟ مدة الانتظار: خمسون ألف سنة..
ـ وأنت..؟ يا زنكاري ..؟ ماذا تعلمت في الدنيا..؟
ـ الكذب على الناس.. أتغنى بخطابات سياسية تأكل أدمغة البشر ، أتغنى بكلام يغزو بئر القلوب ، أمنيهم وأمنيهم …؟
ـ أنت.. ستنتظر أكثر… مدة الانتظار عندك خمسون ألف سنة وما يزيد… !
فجأة انبعثت أصوات غريبة كأنها تنهض من غبار ، استجمعت وقــفتي ، لملمت جلبابي بين أسناني ، وسلمت ساقي للريح .. سكنت الأصوات ، توقفت .. أحسست أن كبدي وكأنه وقف في حلقي .. تابعت الجري نحو باب المقبرة وملابسي تتبعني ، بقي صوت واحد يسكن ذهني ، يلاحق سمعي : ياهــذا ..؟ ويا أنت ..؟.

قاص من المغرب

السابق
مفعول به
التالي
قلت لي

اترك تعليقاً

*