القصة القصيرة جدا

الأم المكلومة

خرجت من عيادة الطبيب تلطم وجهها وتذرف أنهار الدموع وتجر قدميها، تقبض رأسها بكلتا يديها، تغمض عينيها، تحرك رموشها وجفونها بقوة حتى لاينهار جسدها وتسقط أرضا.
ابتاعت زجاجة وذهبت الى قبر زوجها تبث همها ومكنون مصيبتها.. تركتني شابة يافعة ورحلت وبين أحضاني قطعة منك حملتني أمانتها وأنت على فراش الموت.. كنت عند مستوى رغبتك، قدمت لولدنا حبى وحناني وشجوني، نسيت أنوثتي وتوشحت بالسواد ورفضت كل عروض الزواج المغرية.. جعلت نفسي وجسدي رهينة لعهدي.. أراك يوميا في منامي ويقظتي، روحك ترفرف حولي ليلا، أشم رائحتها، وأشعر بجسدك يلف جسدي ويتغلغل في ثناياه.. لم أشعر بوحدتي، حرصت على ولدنا فكنت له الأب والأم والأخ والأخت، لم أشعرة بنقص أو فراغ، كنت عقله الذي يفكر ونظره الذي يبصر، أحركه إلى ما أراه اتجاهاً صحيحاً وأتدبر أموره في المدرسة والبيت وفي كل مكان يتواجد فيه.. لم أسمح لأي كان بالتدخل في شؤونه أو يجعله يزعل أو يتكدر، وكان كل همي أن أرى ابتسامته، ويشجيني دلعه ودلاله في صغره، وحتى عندما تسللت الرجوله الى جسده.. هو صورة منك.. أتحمل كل مشاكساته، وأدافع عنه بكل كياني، ولم أغضب منه أبدا.. حتى يوم جاءني مخموراً، غضبت وصفعته على وجهه، يومها ندمت وبذلت جهدي لأرضاءه، غمرته بالقبل والحنان والمعاتبه الخجلة الا يكرر فعلته.
صدقت وعده.. وبات يقضي معظم وقته بعد عودته من المدرسة الثانوية في البيت أمام عيني يصنع الشاي بالحليب الذي اعتدته ويقدمه لي قبل النوم “كما كنت تفعل” وأتدثر مخدتي وفراشي في نوم عميق، كان يقلقني كثيراً استهتار ولدك بكل القيم والأخلاق وأستغلال ضعفي وحناني، وخوفي الشديد من فراقه وبعده عني، ورغم ذلك بذلت جهدا جبارا دون جدوى لأقناعه بالبعد عن ذلك، وضرورة الصلاة والصيام، وكنت حريصة جدا على وعدي لك حتى لاتغضب مني.. حتى كانت تلك الليلة التي حدثتك عنها، ليلة جاء البيت مخموراً، شعرت بالسعادة والهناء وهو يهتم بدراسته وأحتسي معه الشاي بالحليب الذي يصنعه بيده لأرضائي، وننام براحة بال وسعادة، وأشعر بجسدك يزوني كل ليلة يداعب جسدي، ونعيش معا حياة العشق التي كنا عليها قبل وفاتك.
الآن بعد ذهابي للطبيب تذكرت من الذي كان يدغد جسدي ويغمرني بعشقه وشجونه وأنا شبه نائمة أو منومة.
سامحني سأترك ولدي الذي خانني وخانك وآتي اليك، أرجو أن تتقبلني ممدة إلى جوارك، أرجو المعذرة عرفت من الطبيب اني حامل.. نعم حامل من ولدك، ولا أقوى على الفضيحة ولن أذهب بعيدا سأزحف إليك يا ملاذي… فتحت الزجاجة التي بتاعتها وأفرغتها في جوفها وتمددت بجوار قبر زوجها.
في الصباح شيعت الأم المكلومة لتدفن كما أرادت إلى جوار زوجها .

السابق
قراءة نقدية في نص “وفاء”
التالي
قراءة نقدية في نص “الأم المكلومة”

اترك تعليقاً

*