القصة القصيرة

الأم

وجهك ينضح بالريبة، تشدّك النّبرة الجريحة التي أطلقتها الأم وهي تصرّ على شفتي الألم الصاعد في صدرها، كان الدّوار والدوخة يجذبان حبال الرسي وأعمدة التجلد والصمود، الدمع يندلق بواد و انبجاس بطيء من عمق المحجرين، شددت وجهك للأعلى محاولا ابتلاع الحشرجة والخوف العالق في صدرك، راميا بكل الملامح المخلة برجولتك وتجلدك أمام انقهار الأم..
وجه الأخريات مدببا مشدودا متوفزا للنحيب، لعلهن أدركن أنّ عمر الأم بدا يضمحل كما عمر الفراش مع الأنين الدائر جهة الجسد الرهيف، تأوّهت الأم، كان اللعاب ينسحب خيفة من جنبات فمها والسّواد ظلمة تنمو في شعاب الوجه المشبع بحروق زمنها الماضي، زمن الجري…” الجري يابن ما ” في اتجاه اللقمة والعيش الحافي ،الهارب من عالم بؤسك لتسد به بؤر الجوع المشتعل في أفواه أطفالها كل مساء، يمتطي فيها الدوار صهوة ذاك الطابور الطويل.
– أتذكره؟
– بلا شك تذكره
حينما كانت تضعك بعيداً عنها حتى تجنبك دهس الأرجل المتدافعة في فوضى.
خوف الأمومة ياخويا رغم حاجتها إليك، تجلس متأبطاً قفة السعف القديمة التي تكاد تكبرك حجماً، محدجاً أنت جهة الأم، ملصقاً بصرك بها، تتبعها بفرح، تمنيت لحظتها أن يكبر ساعدك بسرعة حتى تفتح لها طريقاً بين تلك الجموع وتوفر عليها عناء التعنت والالتصاق بذيل الطابور الطويل، لعلها تفوز في نهاية المطاف بقطعة أو قطعتين من الجبن وبحاوية صغيرة من الزيت لتعيد بيعها في السويقة حيث نمت التجارة المريبة كطحلب بري ،لتقتني ببعض ثمنها في نهاية جريها شيئا من الرغيف الحافي الذي كان لا يوقف بكاؤك إلا هو مع حبّات من تمر تأخذها مسرعاً من يدها الملونة بالوشم الغجري متجها إلى باحة الحي كيما تتباهى أمام أقرانك الجياع ولتضع الباقي من عرقها في كفّ ذاك البائع المبروم الذي لم يكن يتوانى في شتمها والتّحرش بها كلما رآها مقبلة نحوه، يرفع عقيرته ملوحاً بيديه أمام أهل الحي متوعداً إياها بالطرد من البيت وتشريدها مع أبنائها إن لم تسدد له ديونه، لا أعرف لماذا كنت أرى في عينيه شرر الغول الذي كنت أتصوره يلتهمني مع أمي وإخوتي في ليالي البرد والصقيع، كان حقوداً جداً على أمي وعلى الأخريات اللواتي كن يجلسن في الرصيف المقابل لدكانه ساكبات الدمع والتوسّل من أجل أن يحظين بفتات من العطف والقوت.
شدت الأم أسنانها المتسارعة في الاصطكاك لعلها تمتص برد الجسد الحافل بالوجع والغثيان، مدت يدها في لحظة جزر هاربة تبحث عنك، بدوت لها طفلاً وأنت تتجاوز ربع العمر، ذاهلاً تشتتك الحيرة ويلمك الخوف من مجاهيل ما قد يحدث في تلك اللحظة، لم يبق لها شيء الكل تحامل عليها حتى الموت الذي عادة ما يأتي قاطعا كسيف حاد، ها هو اليوم يأتي مراوغاً لعوباً دافعاً أنيابه في جهات جسدها، فاغراً فاه لعله يبتلع مابقي من لحظات فرح والسكينة باستهزاء لا مبرر له.
تراءت بين ناظريك دموع الجسد المسجى ونفور الأخوة وكل أطفال الحي للفاجعة التي جرفت بسيلها المر تراكيب البنى التي أثّثت بها هياكل حلمك مع الأم موعدا لفرح مؤجل كنت تراه في الأفق القريب، لا شيء لك… ولا شيء لأمك في هذه الأرض الحبلى بالباعة الجياع والظلم، ها هي الأم تعبر هزيعها الأخير وها أنت هيكل ظل لا ملمح لك وها هو ساعدك قد كبر لكنك كالطفل ترقب ما يفعله الموت، عاجزاً حتى عن تثبيت حلمك بين ناظريك، تمرر بصرك في اتجاهات التلاشي، لا وجهة لك سوى السواد السرمدي المرتسم على وجوه الأهل القادمين من أطراف الحي، وكذا الأصدقاء الذين طالما لوّحوا لك بأصابع العتاب حتى لا تفوت عليهم حضور موعد زفافك، ها هو موعد ما لا تشتهي يقرفص بين ناظريك، مجرد التفكير فيه يذبح فيك شهية الوجود، و يركل فيك التجلد.
تتبدى لك الأشياء بلا معنى بعدما تحوّلت إلى سيل من سرابٍ مهين، ينهشها الاضمحلال ويجذبها جهة النهايات الأخيرة، محطماً تماثيل الوجوه التي اعتقدت أنك عرفتها أكثر مما عرفت الأم، تسابقت كثماثيل الرمل في الانهيار مخلفة غباراً يزكم الرؤية ويجرح الرئة والقلب، كان الهزال وكانت الخيبة والعجز ينموان في مساحات جسد أمك الرهيف، مخلفين لهيباً من الحرقة والتذمر لقلة الحيلة في كظم غيض الألم وخنقه. بدا وجه الأم مغموراً بالسواد والبرد، يلتهمه جوف الغثيان في كل حركة يدفعها للبوح بالوجع وتسطيره في جوفك.
كان الطبيب لحظتها يجذب حقنته من منكب جسدها الصريع دافعاً بيده الرداء على وجه الألم، حملق فيك في خطف مربتاً ماسحاً تفصد حبّات الغبش والعرق الذي تنامى في وجوه أخواتك اللواتي استنفرن للنواح، بصوت هادئ دفع لك الطبيب عبارته وحدك دون الآخرين وهو يضع خطوته خارج الباب
– لا تحزن ستنام أمك الليلة وغداً لك أن تحلم معها بفجر جديد ،هجع القفز في صدرك وبدت روحك تخطو على عشب ندي في اتجاه السكينة ،ماسحة الحياة على كامل روحك، فتحت جفنك وتنهدت مبعداً كابوس النهاية الذي جثم على صدرك طيلة ربع العمر ذاك، والذي طالما نحر أحلامك مع الأم، دفعت بشربة من الماء في جوفك واستسلمت لهدوء الروح ماسكاً بيد أمك بكلتا يديك ممرغاً وجهك في عمق راحتيها ..
وكأنك تتعرف عليها لأول مرة في حياتك…
انتشيت حاملا في شفتيك تجهدك الأخير…
الله يخليك معايا يا ما ….الله يخليك معايا يا ما.
تاركاً العنان لشمس الحلم التي ستطلع ربما غدا كي تفهم أمك دون أن تحاول معرفتها أكثر مما ينبغي.

السابق
معجب
التالي
نفاق

اترك تعليقاً

*