مقالات

الإبداع السردي للدكتور حمد حاجي

أعترف سيدي أنك غلبتني ، وهزمتني !
لأول مرة تثير انتباهي باقة حروف ترفل في دمقس المستغلقات وحرير الرموز وترقص على حواف اللغة ،فتسيل لعاب ذوقي ! باقة حروف من ترتيبك ومن تركيبك وتنميقك :
أنت الصيرفي المحنك والصائغ المحترف !
طائر السنونو يهيم على نفسه في فضاءات القش فينتقي أجمل القشيشات وألطفها ثم يبني عشه ، قشة قشة ، كذلك أراك أستاذي لا تقل أهمية عن براعة السنونو في التقطيع والهدم والبناء !
تغوص في فضاء اللغة اللغوي المتميز بفوضى الحروف ، فتقتني بدراية وحنكة ما تستسيغه ذائقتك الادبية ، ثم تبدأ بناء النص حرفا حرفا ، كلمة كلمة ، فتخلق الغريب والعجيب والمدهش ، جغرافية دغل متشابكة اغصان أشجاره للخروج منه بسلام السير على كومة البيض أو الزبد واجب !
نصك متعة القاريء شريطة أن يكون خبيرا بمستغلقات جغرافية الكلام وخبايا الإبداع ، وتمظهرات الحرف العربي ، حتما لأن صاحب هذه الجغرافية لا بد وأن يكون سبق له أن اشتغل صيرفيا أو صائغ قلائد أو صانع عقود ، لكنها تختلف عن باقي العقود التي يرتبها الصيارفة والصائغون بصفة عامة ، وإذا لم يكن كذلك فمن أين له هذه البراعة في جلب القاريء إلى معمعة نصوصه كالنور الخافت يجلب الحشرات الليلية في ليلة مقمرة !
أحوم حول نصوص الأستاذ حمد فتجدبني مزهرية القصة القصيرة جدا ذلك الفضاء البالغ التعقيد ،ثم كالنسر أحلق وأمعن في التحليق لكني لا أستطع الاقتراب منها رغم ذلك الجمال والروعة التي تسيل اللعاب لأن محراب الحرف العربي له طقوسه وله شطحته الصوفية وله لذة ونشوة كنشوة الخمرة !
أجد نفسي أطارد خيط دخان ،وأجري لاهثا أريد القبض على السراب فأقبض على الخواء وأداعب الفراغ ، أتعب ولا أحصل على شيء يذكر أصمم على دخول هذا البحر اللجي المتلاطم الأمواج بلا شطآن في مغامرة سندبادية ، تتقادفني الرموز والمعاني ،فهي نهر بلاضفاف من بلاغة الغموض والانزياح و مستغلقات النصوص !
أعترف أن مركبي على وشك التداعي والانهيار وأن مجذافي هش وضعيف لا ينفع في صراعي مع هذه الأسرار اللغوية العميقة الضاربة في عمق الإنسان العربي والحضارة الإنسانية ، أفكر فقط في أن أخرج من هذه المغامرة في عالم الأستاذ حمد حاجي المليء بخفي الخفي ولو بأقل الأضرار ، أقرر أن أمارس لعبة الاختراق والعبور في مجاهيل لغة نصوص المبدع حمد حاجي ، فأجدني أحاور صمت الصمت، أحاور لغة لا تخاطب إلا نفسها أقول في نفسي :
– لكن هذه لغة الجنون وهي تمارس في الشعر والشعراء وحدهم المجانين فما علاقتها بالسرد ؟؟
هو حمد حاجي لا يرضاها في نصه إلا لغة جنون فلو لم تكن كذلك لما احتجت إذن إلى جهاز متطور أثبته في تلافيف ذاكرتي المثقوبة من أجل فك الرموز وفض المستغلقات وكشف واستجلاء المستور في النصوص !
أبحث في أرشيف ذاكرتي عما يمكن أن يمنحني القوة للتغلب على هذا الموج العاتي من الغرائبية والعجائبية، فهؤلاء الأبطال من طينة خاصة ، يستهزئون من تفاهة فهمي ، ويمارسون علي شغبهم الخارق بتواطؤ مع الأستاذ حمد حاجي ،فأقول في نفسي :
-لا يمكن قهر هذا التركيب العجيب الذي يتميز به الأستاذ حمد إلا من خلال تقطيعه وتجميعه واعادة بنائه في تركيب جديد سيرا على نهج الناقد العالمي رولان بارت ! لعل هذا الهدم وإعادة البناء تساعدني على فك الغامض وفتح المستغلق لتحصل المتعة والشعور بنشوة الفهم بأقل جهد ممكن وابتداع لغة نقدية جديدة !
ولنفترض أني نجحت في ذلك وساعدتني هذه العملية (الهدم وإعادة البناء ) على فض مستغلقات هذه النصيصات الشبيهة بطنجرة الضغط ، لأن معانيها مضغوطة إلى حد الانفجار ،شبيهة بالقنابل الموقوتة ولعمري إن هذه الخاصية ديدن نجاح الفن السردي القصير والقصير جدا !
أعترف أني حرت في طريقة التركيب التي ينهجها الأستاذ حمد ،هذا التركيب الذي يحلق بأبطال قصصه في عالم الخيال والرموز والأساطير وخرق المألوف وإعادة بنائه في تشكيل جديد ، من خلال جمع ما لا يجمع والتوفيق بين المؤتلف والمختلف واصلاح ذات البين بين الخطين المتوازيين ، والله ما رايت هذا في السرد ، رأيته فقط في أمهات القصائد الشعرية القديمة أو الحديثة المفعمة بالرموز الأسطورية والتي تمتح من كتل وطبقات نصية مترسبة عبر الأزمنة والعصور في ذاكرة المبدع فما نصه الإ اعادة بناء وامتصاص لما سبق ذكره ، فكيف لهذا الكاتب الرائع أن يوظفها في عالم القصة والسرد و يخلق من هكذا تراكيب قصصا رائعة تغوص في متاهات الغرائب والعجائب والتي تخلق في نفس القاريء متعة الادهاش والغرابة ، إذ يستوجب على هذا القاريء ممارسة فن الاستغوار في كهوف قصص حمد حجي ومن لا يحسن هذا الفن فإنه لن يحظى بشيء !
وأقر بأن هذا المبدع يكتب نصوصه بلغة الشعر و وبالنفس الشاعري ، فأنت لا تقرأ قصصا فيها سرد وإنما تقرأ العجيب والغريب والفجائعي والغرائبي ،في متن النص شعرا ربما لن تقل نصوصه أهمية عن سرد الملاحم شعرا ، فإن كنت لا تحسن التحليق في سماء الانزياح وبلاغة الغموض ، فإنك لن تحصل على مرادك ،أان قصص اأاستاذ حامد كواعب حسان تحسن التمنع والغنج والدلال ، والغالي والثمين لا يمكن أن يؤخذ بدون تضحيات جسيمة ، إذ لا يمكن أن تعطيك بعضها إلا إذا أعطيتها كلك ، ونصيحتي لقاريء نصوص الأستاذ حمد حاجي ،أن يتزود بجهاز فك التشفير وفتح المستغلقات ، إذا أراد أن يتمتع بإبداع أصيل و رائع ، فلا ورود بدون أشواك !

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
ذكريات
التالي
طريق النخيل

اترك تعليقاً

*