مقالات

الإبداع والنقد من الحوافز المعرفية !

إن الكتابة في مجال السرد او الشعر تعتبر حافزا للإبحار في مختلف العلوم التي بإمكانها أن تفي بالغرض ، ويندرج هذا في إطار ما يمكن أن نعتبره تأتيثا للذاكرة وتهييئها للإبداع ، فالناقد والمبدع على حد سواء في حاجة ماسة إلى توسيع آفاق المعرفة ، في الوقت الذي نكون فيه فكرة أو نضع تصميما في الذاكرة لما نحن بصدده ، علينا أن نعود حتما إلى التزود بالمعرفة ولو فيما يتعلق بالموضوع الذي نحن بصدد إنجازه حصرا !
فالناقد في بعض الأحيان يكون بصدد قراءة نصوص ، تغترف من معين الفكر الانساني بمختلف انواعه الضارب في عمق الحضارة الإنسانية ، سواء كان أسطورة أو او أدبا أو تاريخا ،و ذلك عن طريق الامتصاص من ترسبات الطبقات النصية المختلفة التي يقوم بهدمها من أجل إعادة بنائها في نصه ، أو عن طريق التناص والتضمين بمختلف أنواعه ، وتكون هناك تلميحات وإشارات وإحالات أو توظيف رموز دالة ، على هذا الكم النصي الموظف ، فيجد الناقد / القاريء نفسه في وضعية لا يحسد عليها ، إن لم نقل وضعية عجز تام وهو بصدد التأويل وتفكيك رموز النص ، وتحليل شفراته ، فيقع في تفسيرات خاطئة وإسقاطات قد تسيء للنص ، وبالتالي تدمر الإبداع ، ولا تتحجج بانفتاح النص على تعدد القراءات ، هذا صحيح ، لكن التعدد لا يمنع من أن يشمر الناقد على ساعده وقبل الخوض في قراءة النص ، من تحديد تلك الرموز التي تضيء وتخبو في النص ، وتعطي إشارات ضوئية خافتة ، كالمركب الذي فقد البوصلة في بحر متلاطم الامواج أو بريق حشرات ضوئية في ليلة عز فيها ضوء القمر ، وهذه المعرفة والبحث سيساعده على سبر أغوار النص ، وربط العلاقات بين أفكار المبدع والنصوص التي وظفها ، فقاقد الشيء لا يعطيه ،فكيف لناقد لا يعرف في مجال الأسطورة شيئا ويريد أن يفكك رموزا أسطورية في نص من النصوص ، وهذا لا يتعلق بجنس أدبي دون غيره ، لأن هذا التوظيف قد يمس كل الأجناس ، بمختلف أنواعها ، فلا يمكنك أن تحلل عقدة أوديب وأنت لا تفقه في علم النفس أو الأسطورة شيئا ، وإلا كنت تفتري على المبدع من أجل تدمير الإبداع وإن لم يكن في نيتك ذلك ، فالشاعر الانجليزي ،( اليوت) كان يفترض في قاريء نصوصه المعرفة الموسوعية ، من أجل التحليل والنقد ، لأن النص الإبداعي ، يكون عصارة مسح للتفكير الإنساني عبر مختلف الازمنة والعصور ، وتفكيك شفراته يستوجب هذه المعرفة ، وهذا ليس غريبا على النقد الذي يتعالق بمختلف العلوم الإنسانية ، ويختلف الاحتياج إلى علم من هذه العلوم حسب الوضعيات النصية ، فمرة يكون الناقد عالم نفس وهو يعالج قضايا تتعلق بالالهام والانفعال والإعلاء في الشعر مثلا ، ومرة عالم انتربولوجيا وهو يحلل نصا يمتح من ترسبات الحضارات الإنسانية على مر العصور ، ومرة أخرى عالم طب وهكذا ذواليك ، وكلما تعددت تعقيدات شفرات النص الإبداعي كلما مارسنا نوعا معينا من العلوم ، ولعل تعالقات النقد مع مختلف العلوم الإنسانية هي التي تستوجب هذه المعرفة الموسوعية للنقاد ،وهنا لا يجب أن يفهم أني أتبط عزائم القراء ، وأتنيهم عن قراءة النصوص الإبداعية لأن هناك من يعتبر شرط الموسوعية في النقد شرط تعجيزي ، و أقول لا عليكم إن النص يحتمل الكثير من المستويات القرائية المختلفة ، مادام يتكون من بنية سطحية وأخرى عميقة ، وما دامت لغته كذلك ترتكز على مستويات لغوية ، فيها المعنى المجازي و المعنى الحقيقي ، وقس على ذلك بالنسبة لباقي مقومات النص الإبداعي !
أضيف ملاحظة أخرى وتتعلق أساسا ، بلحظية القراءة أي أنها كالحرباء تغير ألوانها في كل وقت وحين ولا تستقر على حال ، حسب الظروف والملابسات، فما تفهمه من النص الآن قد تفنده بعد لحظات أو سنوات أو حقب تاريخية معينة ، ولعل هذه الخاصية هي التي تجعل النص ينحو منحى العالمية والاستمرارية ، يقول جان بول سارتر ( النقد يوقظ النصوص من سباتها ) والنقد قراءة ، والنصوص تستمد حياتها من تعدد وتنوع القراءات ، فالقراءات ونقد النصوص الإبداعية إذن تستوجب المعرفة العلمية وفي مختلف العلوم التي يتعالق معها النقد ، وإن لم نكن موسوعيين في العلم ، فعلى الأقل أن نتوفر على زاد مهم من المعارف يساعدنا على النجاح في مهامنا النقدية ،أما الإبداع فهو أكبر الحوافز والدوافع التي تقذف بالمبدع إلى المتح من مختلف العلوم ، والمعرفة في مجاله، فالشاعر الذي ينحى منحى التعبير رمزا بالأسطورة في أشعاره ، يتحتم عليه معرفة الأسطورة حق المعرفة ،و كذلك أعلامها وإن كان المجال بمثابة صحراء بلا حدود وبحر بلا شطآن ونهرا بلا ضفاف ، فمن المستحيل أن توظف زايوس أو بروميثيوس أو مارس كرموز أسطورية في النص وأنت لا تعرف من يكون زايوس أو غيره من الأعلام الأسطورية ، وحتى بالنسبة لتناصص نصه مع كم هائل ، من النصوص الأخرى حتما أن يكون على معرفة بها أو أن تكون ذلك الراقد في رحم الذاكرة والذي لا يستيقظ إلا وقت الحاجة أي عندما يستدعيه السياق بصفة عامة ، وهذا لا يقتصر على الشاعر فحسب وإنما ينطبق ذلك على جميع النصوص الإبداعية ، فكاتب القصة مثلا عندما تختمر الفكرة في ذهنه، عليه أن يكون مهندسا كطائر السنونو ،يحسن الاهتمام بالأرضية التي ستستقبل المولود الجديد ، أي عندما تتضح فكرة النص ، أغوص في البحت والتنقيب ، والإبحار في كل ما من شأنه أن يفيدك في كتابة النص ، بغض النظر عن المخزون المعرفي القابع في لا شعورك ، وربما البحث في إطار قصتك أحداثا أو شخصيات أو رموز أو غيرها ، سيذكي فيك جذوة الإبداع ، وسأعطي مثالا بسيطا ،أنا مثلا حددت تصميم قصتي القصيرة التي ستعالج طقوس استحضار الجن في ليالي كناوة ، أول شيء يجب أن أقوم به هو البحث في فكر كناوة وفي تاريخهم لأن هذا بشكل أو بآخر سيساعد على إبداع له أسس مبنية على قواعد معرفية ، قد لا تخلق أي مشكل لأي قاريء أو ناقد مستقبلا ،إذا كان النص مبنيا على بعض الحقائق التي تساعد على التحليل !
نستخلص أن الناقد والمبدع على حد سواء مطالبان بتنمية معارفهما والإبحار في العلوم والكنوز الانسانية دون الاقتصار على مرحلة تاريخية معينة ، لأن المعارف الإنسانية وموضوعاتها خارجة عن حدود الزمان والمكان !

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
حاءٌ
التالي
خيانةٌ مزعومةٌ

اترك تعليقاً

*