القصة القصيرة

الإرهابي

قبل أن أغادر حفرت على آخر صفحة كتبتها
“أيها السر المنسي في فتوحات الجرح المكبوت, أيها المتجذر في أقبية الذاكرة التي لا تنام’ شكوت وأنا وحيد وأنا مزروع في أحاديث المارة والساهرين والعابرين..تتزحلق تلك اللحظات المعمدة بازميل التوحد والوجد وجلسات الحضرة وإيقاع الرقص الملهم من نبضات النفس المقهورة الباحثة عن متنفس يصعد وينزل , ينخفض ويصهل بكل الحركات ..”
يمر الصقيع على جسدي النحيل ولا أحس به ولكن يمر اسمك فيقشعر كياني , أهفو لخطواتك الواثقة تدلف ذاك المبنى الحكومي, والكل ينحني احتراما ويهمسون إما حسدا أو تزلفا..
لم يكن بمقدوري أن أبقى دون أن أراك ..كان المستشفى العريض فراسفانون ضيقا وكان تهديد الممرض ووعيده بالعقاب يجعلني أمد يدي متسولا بين الزائرين وكان الليل بدجاه طويلا ولا صوت يعلو على صوتك وأنت صغير..
-أبي أبي اثتري لي ثيارة
وحدها تلك العبرات كانت تنزعني من أتون الرغبة ووحده الغناء المنبعث من الراديو القديم الذي ورثته عن جدك يؤنسني..لم يكن بوسعي وأنا المجنون في نظر هؤلاء أن أبوح بما يمور بداخلي..
كان للتقاعد وموت شريكة الحياة أثر سلبي على نفسيتي
-, حدة حمارة وجهي الضيف إذا جاني ,
لما رحلت غادرني نصف قلبي ولكن حبك أنت المتبقي لي دفعني أن أقاوم وأن أكون الأب والأم وأن أصطنع لنفسي شخصية تعوضك عن اليتم وأن آخذ بيدك حتى تكون أحسن الناس كما وعدت الراحلة..
فرونسفانون كان ملجئي بادئ الأمر وأعادني لهوس الكتابة الذي طلقته منذ تلك الليلة من الفاتح من أفريل التي وأدت فيها حياتي وحبيبة الدرب, يكذبون في الفاتح من أبريل ويقولون كذبة بيضاء لكن الموت لايكذب, حين أخبروني وأنا في مهمة عمل ,ابتسمت قائلا لن تمر عليَّ هذه المرة كذبتكم كالعام الماضي..لكن دموع والدها وهو يخبرني وصوته المبحوح لم يكونوا كذبا..
اخترت بإرادتي منفاي هذا ولكني وجدت عكس الراحة تعذيبا وقهرا وشتيمة ووجدت حكايا كثيرة تصلح أن تكون رواية ..ربما لأني أردتك سعيدا كان علي أن أضحي ولكن وعدك لي بأن تزورني هو مؤنسي وهو ماشجعني..
أخبرت همسا تلك النجوم وشجر الكاليتوس أني مشتاق أن أقبلك أن أصرخ هذا ولدي , وأني أكاد أجن وهو مُْهملي ..
في تلك الليلة المقمرة حملت أوراقي وضممتها بقوة ,قفزتُ السور العالي بمساعدة شجرة البرتقال في الجهة الشرقية ..كان عليّ أن أقطع مشيا أكثر من سبعة كيلومترات ..المشي صديقي ولم يكن أبدا عائقا لي ..كانت تلك الدريهمات التي خبأتها عن ذاك الممرض القبيح من تسولي كافية أن أركب الحافلة المتجهة إلى العاصمة..
تغيرت العاصمة كثيرا ,عرفتها في السبعينات وأنا طالب وكانت تحفل بحراك فكري وسياسي وثقافي كبير وكنت من أبرز الأسماء لولا عودتي وإصرار الوالد على الاهتمام بالأرض وقطيع الغنم لكنت شيئا آخر لذلك بنيّ لم يكن بإمكاني أن أكررخطأ جدك..
سألت أحد الشباب على العنوان المكتوب ,
-بعيد من هنا يالحاج..عليك بالنقل
كان لطيفا معي ,بل زاد في لطفه أن أوصلني وأعطى السائق حقه.. شكرته وأنا أدعو له كأني أدعو لابني
-فتح الله عليك بني
رأيت في عينيه دموعا , قربته نحوي بحنو ووجع وحنين
-مابك بني؟؟
أجابني بخجل كبير
-ذكرتني بوالدي رحمه الله.
بكيت معه كما يبكي الأطفال, فرنا نحونا المارون في حيرة ,شاب بلباس عصري وكهل يقتحم أبواب الشيخوخة في بكاء, ضممته
إلي وأنا أدعو له بكل ما حفظت من أدعية ..قبَّل يدي ورأسي وهو يودعني
-ربي يخليك لأولادك الحاج..
وانطلقت الحافلة تشق الطريق المزدحم وتصعد أعالي العاصمة وبي حمم براكين شوق وألف قبلة ..
الحافلة تتوقف كثيرا ,ينزل من ينزل ويصعد من يصعد وقلبي كما هو ودموعي كما هي ..صرخ السائق باسم الحي نزلت فإذا بناية الوزارة تقابلني..
وصلت مساء , أستلقيتُ قرب ذاك الكشك أناشد النوم حضورا ..قاب غفوة أو أكثر كان الصباح ..صباح العاصمة المكتظ ..حملتُ قلمي وسجلت الكثير من الخواطر..
بَدَتْ لي العاصمة خائفة وبدا لي الناس في هذه المنطقة متوجسين خائفين و شكاكين ..للبناية حراسهه ولي ابن هناك وعليَّ أن أراه ..سألت عنه فقيل لي يوم استقباله الإثنين فقط ولن يراك ..قلت لهم ابني ومن حقي أن أراه ,قالوا مستحيل لم يذكر أن له أبا حيا بل هو يترحم عليه دوما..مستحيل كلكم تكذبون سترون حين يأتي كيف سيبهدلكم وسترون كيف سيقفز في حضني..قالوا في تذمر
-شيخ به جِنَّة
توقفت سيارة المرسيدس المسطحة ,نزل ولدي فقفز قلبي وقفزت أهرول ..سمعتهم يقولون
-توقف توقف ..وسمعتهم يعلنون الفرح بإطلاق الرصاص ..وسمعت الكثير من الأرجل خلفي ..ورأيت الكثير من العيون فوقي ..ولمحت أوراقي تتطاير فوق الرؤوس وسمعت صوتا يشبه صوت ابني يقول
-هل أصبتم الارهابي..؟؟؟؟؟؟.

السابق
رحلة
التالي
شواهد

اترك تعليقاً

*