القصة القصيرة

الاستراحة

بعد خمس ساعات متواصلة    اخيرا وصل الاستاذ حسين …او هكذا ظن …
  ؛  من السفر الاتوبيس من محافظه الى محافظه ؛ ثم نزوله من الاتوبيس الى السياره الاجره ؛ ثم من السيارات الاجره الى سيارة  النصف نقل تستخدم لنقل البشر؛  اخيرا وصلت الى كفر سنوط ؛  هنا تقع مدرسه سنوط  الثانويه ؛ تلك المدرسة الموعودة  المذكور   عنوانها في خطاب التكليف الخاص به للمراقبة ..
 وصل و الاستاذ حسين وهو يحمل الحقائب الثقيله التي تنواء بها  جسده الضعيف الذى بلغ الخمسون  وقد اعياه التعب   السفر و الصيام و السكر و الحر و الشمس تضرب و بلا رحمة صلعته العارية ؛ و ذلك  الداء القديم الملعون الذي   يصحوا من رقاده  كلما سافر و جلس طويلا    داء البواسير .
كل ذلك تراكم عليه وهو يمشي في طريقي نحو مدرسه سمنوط  الثانويه على الارض؛ يتذكر يوم ان قال لوالده بعد الثانوية انه يريد ان يكون معلما ؛مثل ما كان والده معلم ؛ يتذكر ذلك اليوم ترى ما الذى طسه فى نفوخه لتجه الى هذا الطريق و هذة المهنة .. ؛ بينما يسير  ظهر على البعد فى  الطريق المدق   مبنى محاطا بسور ؛ بدا فى  ركن القصي  في ارض جرداءتملكها  الرياح والاتربه ينتهي طريق   الى      يتوسطه  باب الحديد اسود يعلوه  سبورة قديمه كتب عليها اسم المدرسه بلون ابيض عريض … مدرسه سمنوط الثانويه ترحب بكم ..

 يعلم الاستاذ حسين كمعلم قديم عن تلك الاساطير التى تحيط بتلك المدرسة و كيف ان احد ابناء قريه سمنوط قد   وصل لمركز المرموق منذ  عقود  في الستينات  ؛ و  قام   ببناء هذه المدرسه في تلك البقعة القصية من القرية ليرد الجميل الى  اهل قريته  او هكذا ظن ؛ و كيف حدث صراع بينه و بين رجالات السلطان و السلطة بعد هذا  لينتهى فى متاهات النسيان هو و مدرسته و كل تاريخه  رحل وماضى ؛ و بقت  تلك المدرسة تعانى الاهمال و النسيان   و تتحول لمدرسة ثانوية تستقطب من اطراف الارض مراقبين مغضوب عليهم ليراقبوا بها بعض عشرات من الطلاب و الذين يشكلون طلاب المدرسة ….
اخيرا ..وصل  الى الباب الحديدي الرئسى للسور المدرسة  ؛  دفع الباب فتحه  عن فناء واسع مترب  تعاصفه به الرياح فى ركنه الابعد ؛  مبنى من ثلاثه ادوار مطلى  بالجير الابيض  امام المبنى رفع علم قديم على صارى صداء ..وضع حقائبه و اخذ ينادى ..بصوت عالى  
السلام عليكم …السلام عليكم ..
اقترب من المبنى و طرق على بوابته الحديدية   ..مرة تلو اخر ..
 اخير يفتح باب المبنى ليظهر رجل قصير لايذال عينه تقاوم النوم و هو يضع يديه على عينه من الشمس و هو يقول
ـ ايو مين ؟
ـ انا جى مراقب هنا
ـ حمد لله على السلامة معك الجواب .؟
ـ ايو ..
ـ طيب خضرتك  سيبوا و انا هسجل حضورك و تقدر تروح تستريح فى الاستراحة سمنوط الابتدائية
ـ سمنوط الابتدائية ايه مش هنا الاستراحة ؟!!
ـ لا ممنوع تقيم فى اللجنة التعليمات كده … سمنوط الابتدائية فردة كعب عشر دقائق مشى من الطريق المدق لا تلف يمينو لا شمال ــ  يشير الى طريق يبدا بلا نهاية ــ  على هذا الطريق على طول ..
 الاستاذ حسين    لم يعترض ؛  لم يفعل شيء  فهو كمعلم  يعلم طول خمسة و عشرين عام ؛ ان لا فائدة من الاعتراض ؛ و انه لو اعتراض فلا احد هناك ليسمع ؛ او يتفهم  لذا لابد ان  يطيع و ينفذ  كموظف كمعلم و كمواطن لم يجد سوى  ان يقوم بحمل الحقائب الثقيلة ؛ ليمضى  في طريقه  نحو مدرسه سمنوط  الابتدائيه ؛ لذا مضى فى صمت .. بدا  الطريق طويلا   و بلا نهاية  خمس  دقائق.. عشر دقائق ..ربع ساعه ..تلت ساعه ..25 دقيقه …ولم يصل الى ذلك لتلك المدرسه الموعوده ؛  كان التعب كلما   بلغ اشده به يضع   الحقائب على الارض و  يستريح قليلا و يلتقط انفاسه ثم يعاود المشى ؛   يمسح من على جبينه العرق و  مسح  الاتربه من نظارته يحاول بلع ريقه الجاف ؛ من الحرو الصيام ؛ بعد نصف ساعة من المشى و الراحة     بدا على البعد بناء صغيره مطلى بالجير الابيض يظهر  بعيده وسط الصحراء حيث ينتهى  طريق  المدق و الذى يبدوا بلا نهاية  ..

اقترب الاستاذ حسين من المبنى .. كان مجرد بناء من طابق واحد و بلا سور و يبدو مجموعة من الفصول بنيت على عجل ببعض الحجرة و الرمل و الطين و طليت بجير الابيض  ..بدا صوت متناغم من الشخير البشرى يخترق اذناه ..ظهر فتى صغير يجرى نحو الاستاذ حسين و هو يقول مبتسما
ـ اذيك يا استاذ ..
ـ اهلا يا حبيبى .. هو مفيش حد كبير هنا
ـ لا يا استاذ ابوى مش هنا انت عوز تستريح مع الاستاذة ادخل و استرايح ..
تقدم الفتى نحو باب فصل معتم .. دخل الاستاذ خسين الفصل
كان الفصل دراسي قد اخلى  من الاثاث  المدرسى   ليضم مجموعه من الاسرة  الحديديه  كل سرير  على شكل اطار حديدى به شرائط جديد   وضعت الاسرة بجور بعضها البعض مثلما يتم رصها بمستشفيات الحكومية بعضها ظل عارى عن اطاره الحديدى بينما البعض الاخر علاخ    مراتب اسفنجيه قديمه وقد نام عليها رجال   في نوم عميق و يطلقون شخيرا   متداخلا  متناغما ..
اشار الفتى الى ركن مظلم يحوي سرير حديد صداء  وهو يقول و هو لا بذال مبتسم فى عبث
ـ  ده سريرك يا استاذ
ـ لكن يا بنى ده معلوهوش حتى مرتبة و لا حاجة هنام اذى هنا ..
ـ اصبر يا استاذ لغاية بكرة لما ابوى يجى و يفتح المخزن و يجيب لك مرتبة ..
يخرج الاستاذ حسين خمسة جنية من جيبه للفتى و هو يقول
ـ يا بنى انا تعبان و عوز استريح شوية ..مش قادر اتحمل ..
طيب يا استاذ انا هتصرف فى مرتبة ليك فى دقيقية كان السرير قد اعد بمرتبة و ملاية و مخدة و جلس عليه الاستاذ حسين اخير وسط الاسرة  التى ينام عليها الرجال مطلقين شخيرا متقطعا متناغما و قد غطوا وجهم و اجسادهم بالاغطية فلا يمكن تبين وجههم فقط خمس رجال معلمين ايضا ساقهم القدر للندب فى تلك المدرسة المحدوفة لاسابيع؛ وضع ا حسين راسه يستريح ؛ لابد ان يكتشف اماكن الحمامات فهناك حلم له ان ياخذ حمام و يغير ملابس السفر ؛ ان يتصل بالاولاد ليطمئن عليهم ؛ ان يريح جسده المرهق ببعض ساعات من النوم و قبل اى شىء ان يبدا  فى علاج البواسيره المتعبة من السفر ..
ما ان وضع راسه و بدا يستسلم للنوم ؛ الا و صوت عالى متالم  يصدح فى الغرفة و ينتشله من غفوته التى بدات لتو … يعلو الصوت المتألم مرة اخرى ..
 
يجلس الاستاذ حسين على سرير و تضىء الغرفة  بينما يعلو الصوت المتالم ؛ و قد ظهر على الاسرة خمس رجال اصحهم ذات الصوت
 رجل 1 :  ايه يا جماعة فى ايه خير ؟!!
رجل 2 : الاستاذ حامد تعبان بين عليه تعبان
رجل 2 :  مالك يا استاذ حامد
حامدى :  تعبان صدرى ضغط على و حرقان شديد
ا حسين :  طب افطر و اشرب شوية ماية ..
 ا حامد : لا مش هفطر
رجل 4 : اسمع الكلام اشرب شوية ماية
يشرب بعض الماء و لكن لايذال يتألم و يتالم
ـ طب يا جدعان  مفيش دكتور مستشفى قريبه ..
يذهب احدهم   ليحضر الفتى الصغيرياتى الفتى مبتسم …
شوف فين ابوك فى واحد تعبان هنا …
يهرش الفتى فى خلف راسه و هو يفكر قبل ان يمسمع تالم الاستاذ حامد فيقول
ـ طيب انا رايح اشوف ابويا
يتصاعد صياحات الالم من الاستاذ حامد

  احد الرجال ينظر للباقين و هو يقول
ـ    يظهر انه لابد ان يتعاون الجميع لعمل شىء ما لاستاذه ده لاننا فى منطقة معزولة انا استاذ على من منصور و ده الاستاذ مايكل من القاهر
يكمل رجل اخر انا سعيد جودة من الاقصر و يتبعه الرابع فيقول ..و انا محمد عبد العاطى من بوسعيد  و حضرتك يا استا ذ  ..
ـ انا حسين من الاسكندرية و منين عم محمود
على : من القيبوبية على ما اعتقد  و دلوقت لازم نتصرف انا شوفت عربية صغيرة بعجلة ممكن نحط عليها الاستاذ محمود و نروح اقرب مستشفى مش انت يا بنى عارف مكنها
ـ ايو بس ديه بتاع ساعة مشى او اكثر
ـ مش مهم المهم نسعف الرجل لان حالته صعبة يا على الله نتوكل
يذهب الرجل برهة و ياتى بعجلة مزوده بصندوق حديدى للنقل المواد و الاشياء يتم حمل الاستاذ حامد برفق و وضعه فى الصندوق يذهب الفتى مع الرجال و يبدوا فى دفع العجلة اثنان من الخلف  و واحد يقود و الباقى يسيرون بجور العجلة ذات الصندوق .. بينما يستمر تالم الاستاذ حامد و الذى بدا ان وجه بدا شاحب و متألم ..
و فجاءة ينطلق ا محمد عبد العاطى فى القول بلهجة بورسعيد مميزة
ـ دول بيجمعونا علشان يموتونا …. بيعملوا مؤمرة علينا …رغم الالم الاستاذ حامد  و الانزعاج الرجال ينفجر الجميع فى الضحك …
يكرر ا محمد عبد العاطى .. ايو دى مؤامرة علينا عوزين يموتونا و يقللوا عدد سكان مصر و عدد المدرسين فيقللوا اكلنا و شربنا و يرتحوا منا ..
يقطب ا سعيد جودة جبينه المسمر بشمس الصعيد الجونى و هو يقول
بيجول ايه اخينا ده .. مؤامرة ايه يا بوى عاد ..نقصين احنا فسلفة فى الظروف ال احنا فيها عاد و الاستاذ تعبان معنا نقصين هزار ..
محمد عبد للعاطى : اخويا .. انا مبهزرش يا جدع … يعنى ايه يرومنا هنا بدون اى رعاية و لا حد يسأل علينا .. يعنى ايه التعليم مفهوش موارد و لا المعلمين مرتبهم منخفضة و التعليم ضايع مش ديه مؤامرة علينا …
يصرخ الاستاذ حامد متالم من صدره فيتوقف الرجال عن الكلام و يسرعوا فى دفع الصندوق العجلة .. و على البعد يظهر مبنى اخر مطلى بذات الطلاء الابيض الجيرى  الغبى… و قد كتب على قطعة خشبية بخط متعرج مستوصف قرية سنفوط … يدخل الرجل و هم يحملون ا حامد الى المستوصف لكن المستوصف فارغ الا من مجموعة من القطط التى تلهو عبثين بجوار احد المقاعد الفارغة … يبدا الرجال  فى الصياح …و لا مجيب …و يستمر الصيح بلا اجابة … ثم ياتى رجل عجوز و هو يتفحص الرجال
ـ عوزين ايه يا بهوات
ا حسين : فى حالة تعبانة و عوزين دكتور
العجوز : دكتور ..مفيش دكتور جى المستوصف ياجى من ثلاث شهور
على : طب و الحل يا حاج عوزين نسعف الرجل
العجوز : بص يا فندى عليك و على القسم تاخد منه عربية او يستدعى عربية النجدة و يلحق زميلكم ربنا يشفيه
مايكل : و القسم فين يا عم الخاج
العجوز : القسم ياجى ساعتان مشى كده على طريق المدق
ساعتان يا رب طيب مفيش اى عربية فى النواحى ده يا حاج
العجوز : لا و الله لكن بص انا اديكم عربيتى ال بيجرها الحمار بدل ما تتعبوا نفسكم اهو ترتحوا و تبقى ترجعوها او سيبوا الحمار يرجها لوحده هو عارف السكة
اتجه الرجال   و جلسوا على  عربية الكاروا  و نقلوا ا حامد للعربية و بدات رحلة اخرى الى قسم الشرطة و قد بدا وجه الاستاذ حامد اكثر شحوبا
و فجاءة انظلق ا محمد عبد العاطى بلهجته البورسعيدية يقول
هم بيجمعونا علشان يموتنا … دول بيعملوا مؤامرة علينا …
هم بيجمعونا علشان يموتونا … دول بيعملوا مؤامرة علينا        

قاربت الشمس على الغروب اول يوم فى رمضان و الرجال فى الطريق نحو قسم الشرطة لاسعاف زميلهم الذى اخذ به الاعياء كل ماخذ ؛ لاح من بعيد مبنى ابيض مطلى بجير  و قد كتب على قطعة خشبية نقط شرطة قرية السنفوط اقترب العربة الكاروة محملة برجال من القسم و وقفها احد العساكر وهو يقول
ـ خير فى ايه ؟
على : الرجل معنا تعبان و مفيش حد فى المستشفى و قالوا لنا نرح القسم ممكن فى حد يسعفكم هناك
العسكرى : طيب هنادى حضرة الظابط ملازم انور
 يدخل العسكرى ليخرج ظابط شاب و هو يقول
انتم معكم  حد  تعبان  بتوع المستوصف دول بيرموا علينا اى حالة ده مش مسئوليتنا احنا هنا امن و امان مش مسئوليتنا موضوع الاسعاف
ا حسين : معلش يا ياباشا احنا غربة مش من هنا و لو حضرتك تساعدنا ينوبك ثواب
ـ طب يا عم اهدى ربنا يسهل ,,, يمسك الاسلكى و يبلغ تمام يا فندم عندى حالة تبانة و عوزين الاسعاف
يجيبه صوت خشن من الطرف الاخر فى الاسلكى
اسعاف ايه قولهم يروحوا المستشفى مش مسئوليتنا يا حضرة الظابط ..
ـ معلش يا فندم اصل دول مدرسين غرباء
ـ طيب يا حضرة الظابط هنبعت لك اسعاف
ـ تمام يا فندم ..
بصوا يا جماعى الاسعاف جى استريحوا شوية لغاية ما تيجى الاسعاف …و انتم بترقبوا فين
ـ مايكل فى مدرسة سنفوط الثانوية يا باشا
ـ طب ربنا يوفقكم … انا كنت هقدم فى التربية و ابق مدرس و ادى دروس و اهرب من حكم النفس ده لكن نصيب بقيت ظابط الحمد لله
ينظر المعلمون الى بعضهم و هم يعمغمون الحمد لله
احضر الظابط ماء و شاى و بسكوت فطر المعلمين و انتظر الجميع عربة الاسعاف  و طال انتظار عربة   .. و اخير حضرت عربة الاسعاف و دخل الاستاذ حامد العربة و معه الاستاذ محمد عبد العاطى للعربة التى انطلقت فى رحلة ستكون طويلة للمستشفى بينما يطلق ا محمد عبد العاطى ضحكا قولته
دول بيجمعونا علشان يموتونا … دول بيعملوا مؤامرة علينا
دول بيجمعونا علشان يموتونا … دول بيعملوا مؤامرة علينا
و جلسنا جميعا نتنفس الصعداء و نفكر لماذا وصلنا لهذا المستوى ؛ نحن الملتزمين الذين يسيرون بجور الحائط و يقولوا نعم و حاضر ماذا يتم معنا عندما نحتاج الى دعم و مساندة فى وقت الحياة و الموت ؛؛ لا نجد احد معنا سوى الله ؛ من يومها صر ا حسين يرفض ان يقول نعم … يرفض ان يسمع الكلام بلا نقاش …فعندما لا تحترم  حياة  الاخرين فان الاخرين بدورهم    لن يحترموك …. و كلما تذكرا الاستاذ حسين تلك الاحداث تذكر كلمات ا محمد عبد العاطى البورسعيدى مبتسم
دول بيجمعونا علشان يموتونا … دول بيعملوا مؤامرة علينا
دول بيجمعونا علشان يموتونا … دول بيعملوا مؤامرة علينا
ربما كان على حق.

السابق
عروبة
التالي
أحمق

اترك تعليقاً

*