القصة القصيرة

البايرة والناس

عندما تركت المنزل اللعين، كنت أظن أني سأتحرر من القيود التي تكبلني، قيود الأسرة والنظرة والمجتمع. أمر مضحك، صدق من قال الآخرون جحيم.
تخلصت من لعنة لأصاب بلعنة اخرى، والمهم في الامر، هو القرار الذي أخذته ولن أتراجع عنه مهما كلفني الأمر، لا تهمني العلاقات العائلية ولا تهمني الأفواه التي ستفوح منها رائحة الجهل، لا مشكلة، رغم أن صوتا بداخلي يحدثني عن الذنب والخطيئة، ما ذنب فتاة لا تؤمن بما يؤمنون به، ولا تعتقد بتخاريفهم وطقوسهم.
الخطيئة ككرة الثلج تنمو وتتمد، وخطيئتي تتمدد وتتنهد، فتعاكسني بها حتى المرآة..! وكل الأصوات اللعينة. لست مخطئة، بل متمردة نعم متمردة والذي جعلني أتمرد هو رفضي التام لما كنت أعيشه كل يوم في ذلك المنزل الكئيب والحي الكئيب والمجتمع الكئيب.
لم أكن على قيد الحياة، الحياة لم أعرفها أبدا، بل منعت منها ومنعت مني كل الصلاحيات التي تعطى لأخي الأصغر، ما الفرق بيننا ؟ أمر مضحك ومقزز في آن واحد، الفرق هو عضوي التناسلي وجسمي الممشوق وثديي المثير، ببساطة كوني خلقت أنثى، والمرأة تعيش دوما تحت الرقابة، لماذا الرجال هم الأسياد؟
كم كنت أحس برغبة شديدة في السفر مع أصدقائي، ففي أسرتي لا أحد يؤمن بالصداقة بين ذكر وأنثى لا يعقل أن ترافق فتاة شابا في مثل عمرها فذاك سيجلب العار ويلطخ الشرف، أليس هناك شيء آخر يجمع فتاة وشابا غير الجنس والفراش وما جاورهما…؟
أيتها المرآة إن أفكاري لا تشبه الأفكار السائدة في هذا المجتمع السكيزوفريني، نعم إنه منفصم.
الصمت والإنصات من العادات التي اعتدت عليها ذلك يمنحني فرصة تحليل بنية العقول وكيفية إشتغال تفكيرها وهل هي تفكر أم لا، يحدث كثيرا في أسرتي أن أدخل مع أحدهم في نقاش معين ، أطرح عليه أسئلة وأترك له المجال للحديث وأستفزه ليقاطعني ويتحدث هو، عندها أكتفي بالإنصات فقط إلى أن يضع نقطة نهاية، لا يهم.
تبا..تبا.. كفوا عن الكلام، كلامكم ازعاج في أزعاج، ألا تصمت أفواهكم النثنة، أحتاج قليلا من الراحة، أحتاج وجوها بشوشة صامتة أفواهها. ا
احتاج عقولا أفكارها من ذهب، ألسنة لا تنطق بشيء عن المرأة وجسدها إلا خيرا.
لماذا تتكلمون من أجل الكلام فقط.. هيا خذوا الكلام واتركوا لي الصمت معينا ورفيقا، خذوا كل شيئ واتركوا النساء فأغلبهن شرفهن أطهر من نفاقكم الخبيث. ولا تسألوا لما الرحيل، فلم أرحل عبثا.

السابق
ضربة خطأ
التالي
داء

اترك تعليقاً

*