القصة القصيرة جدا

البراق الأخضر

سارت الأيام رتيبة مملة لا يغير روتينها شيء. بيت وعمل وأولاد ممزوجة بالنميمة والكذب والصراعات اليومية التي لاتنتهي. ومعها تبدو الشهوات بأنواعها المختلفة مسيطرة على الوضع في ظل مادية وسطحية وقهر يسيطر على الجميع. جلس على جانب الطريق يستجمع شتات فكره. قرر التمرد. هناك منطقة بينية في العقل الباطن تحتاج إلى صيانة أخيرة قبل أن يفقد الإحساس بها. حمل قدميه فوق رأسه كنوع من التغيير وسار على يديه حتى خرج من الغابة التي يعيش فيها. وصل إلى حدود البراح. صحراء أو فراغ لا تبدو فيه أية معالم. لم يهتم كثيرا للخطر. سار قليلا على مقعدته ليريح أطرافه. ثم سار على بطنه ليريح بقاياه. انقلب على ظهره أخيرا وقد تضاءل حتى أصبح النمل بالنسبة له كائنات فضائية عملاقة. نظر إلى النجوم فلاحظ اصطفاف القوى الشريرة على حدود المجرة. نشاط غريب غير مفهوم لعوالق في الغلاف الجوي مختلفة الأحجام والأشكال. سار على غير هدى بعد أن ربط معدته وخاط فمه رغم اعتراض لسانه العنيف وثورة دواخله. وقف على رأسه أخيرا عندما أعلن جسده العصيان. هدد كل أجزائه بعدم استخدامها حتى يتم الاستغناء عنها من العقل والقلب. ضرب الثورة في مقتل. رضخت مكوناته مرغمة ثم تراقصت أمعاؤه الغليظة فرحا بقمع التمرد. الديدان الساكنة فيها لا تحتمل الرائحة النظيفة. في وسط الصراع فوجئ بقدميه المرغمتين تغوصان في رمال متحركة. ألجمته المفاجأة وأوقفت الاحتفالات. حاول التشبث بأي شيء. لايوجد أي شيء حوله. صحراء جرداء لا نهاية لها. أغمض عينيه يستغيث بمعجزة لا تتكرر. توقفت سحابة مندهشة فوق رأسه. ابتسم. مدت حبل ماء رمادي. هلل فرحا وحاول الإمساك به. تحولت كل نقطة ماء إلى برغوث عملاق يهاجمه ويمتص دمه. انتقلت السحابة مبتسمة. خارت قواه من جديد. استسلم للغوص في بحر من الظلمات. يشعر بالفراغ أسفل قدميه. يبدو أنها حفرة أو ممر إلى عالم آخر. عند آخر جزء ظاهر منه فوجئ بشيء ما يسحبه. فتح عينيه المعبآتان بالرمال واليأس والندم. كائن أخضر عملاق مد ذيله المستدق فأمسك به من رقبته قبل أن يختفي. كاد أن يختنق. لكنه ألقاه سريعا فوق ظهره. لم يستوعب الموقف. مر به في وسط غيمة ممتلئة بالماء الدافئ والعطور الفواحة. نال حماما دافئا غسل خطاياه وأحرق آهاته. على أعتاب فاصل شفاف اصطدم به فاختل توازنه. سقط من ارتفاع شاهق فانقطعت أنفاسه. أفاق من غيبوبته في قلب إعصار جامح يقلبه من جديد.

السابق
للغابات كالأشباح أرواحُ
التالي
دُنيا

اترك تعليقاً

*