القصة القصيرة

البقاء لله

قلتها أواسي صديقي في وفاة أخيه الشاب؛ الذي قضى في حادث أليم، جلست في الصوان مع الجالسين، ناكس الرأس، أدافع دمعة محبوسة بين جفنيّ. تذكرت الموقف ذاته منذ أعوام، حين جلست في الصوان نفسه معزيًا في وفاة الأخ الأكبر. كانوا ثلاثة شباب أصدقاء طفولتي وشبابي، والدهم لواء شرطة بالمعاش أمضى مدته مثالًا للشرف والأمانة، والتفاني في خدمة الوطن والناس. التحقوا بكلية الشرطة واحدًا تلو الآخر، قضى الأول في انهيار بناية مشهورة، والثاني في حادث انقلاب سيارة.
ذات مساءٍ حزين كانت أختي الصغرى عائدة من كليتها، تستعد لركوب السيارة من الميدان المجاور، حين شاهدت لحظة انهيار العمارة، فانهارت باكية وهي تبلغني الخبر تليفونيًا .. من بين دموعها وكلماتها المتقطعة، فهمت أن العمارة الشاهقة أضحت أثرًا بعد عين: كومة من الأنقاض المتراكمة، والغبار يملأ المكان، ويخنق الأنفاس، هرعت إلى هناك، واجف القلب، أدعو الله بضراعة، وأستمطر اللطف والرحمات، صديقي وأسرته يقطنون الدور الرابع .. الدور الأرضي استأجرته حديثًا شركة تليفونات مشهورة، قامت بتعديلات هندسية في الأساسات، بغية الاستغلال الأمثل للمساحات، منذ ثلاث لاحظ الساكن بالدور الثالث أن باب شقته الحديدي بدأ يحك في البلاط، وينفتح جزئيًا بصعوبة ..
الضحايا كثرٌ بينهم قلة من الجرحى وبعض المفقودين تحت الهدم، لكلٍ منهم مأساة أعجب من أختها، الطالب الذي خرج لحضور درس خاص وعاد فلم يجد أسرته، الأم التي ذهبت بطفلها لعيادة الطبيب، لتنجو به من بين ستة أفراد، الجد الذي قدم من قريته لزيارة ابنه وأسرته، ليشاركهم الأنفاس الأخيرة، من بين الأنقاض انتشلوا زوجة صديقي الحامل في شهرين، وقد علقت يدها في مخلفات الهدم فانخلعت، وظلت طوال فترة حملها غير المستقر في الجبس، حتى وضعت مولودها. والابن الثاني كان في أحضان جدته، ترست عليه بجسدها، وفدته بروحها التي صعدت لبارئها لينجو هو.
أعمال الإنقاذ تتم ببطء وبدائية، جهود ذاتية من الأهالي والمارة المتطوعين، وسط غياب المسئولين المزري.. الدقائق الأولى للمأساة فارقة، الحماس متقد، والجهد جبار، ولكن مع غياب التقنية والاحتراف جاءت النتائج مؤسفة.
وقفت عاجزًا يعتصرني الألم، شاخص البصر إلى جثمان صديقي، ممددًا بلا حراك، تنهمر دموعي على وجنتي في صمت، ويطوي عقلي ثلاثين عامًا من أحلى الذكريات، مرت الساعات بطيئة كسلحفاة، ثقيلة كليل شتاء جاثم، وارينا أحبابنا الثرى، وعدنا بخفي حنين.
ظلت أم أصدقائي الضباط الثلاثة في السنوات الأخيرة، مشفقة على أولادها من تربص الإرهابيين … لم ينل الإرهاب شعرة منهم، ولكن تعددت الأسباب والموت واحد.

السابق
تميز
التالي
أنثـى السذاجـة

اترك تعليقاً

*