القصة القصيرة

البكماء

ليل مرصع بالنجوم يتوسطه قمر،يلف القرية بالسكينة والهدوء.
تخترقه في لحظة من اللحظات صرخة امرأة متوجعة.تتنبه آذان القروين و القرويات، فتتبع مصدر الصرخة في فضول، وتتحرك شفاههم مخبرة بمكانها، و تهتز رؤوسهم بعلامة الإدراك. تتنقل بعدها بعض النساء إلى أحد الأكواخ حاملة الماء الدافئ و لفافات الثوب النظيفة. يدخلن ويوصدن الباب.
يمر الوقت بطيئا، و مع إنبلاجة الفجر، تخترق الأجواء صرخة طفلة مستقبلة للحياة. تخرج النساء متعبات، فرحات، مهنئات رب الدار بالمولود الجديد، و تخبر أهل القرية بجماله المنقطع النظير. عند اختراق أول شعاع شمس لتربة القرية الندية، يتوافد الأهالي على البيت مهنئين. يدفعهم الفضول لرؤية هذا المولود الجميل فلا يتخلف منهم أحد.يصيبهم الذهول فيجزمون ألا صفاء مثل عينيه، ويؤكدون ألا نضارة مثل وجهه.تنتفخ أوداج الأب و تفيض عيناه بالإعتزاز و الفخر، فينطق لسانه دون تفكير باسم صفاء، و يلتفت إليهم و يقول: لقد اخترت لابنتي من الأسماء اسم صفاء. ينال الاسم الاستحسان من طرف الجميع، وتنهش الغيرة بعض القلوب، لكن العيون تظل مبتسمة، و الأفواه تلوك التهاني و تقذفها بغير حساب.

تمر الأيام والشهور و السنين ، وصفاء الجميلة تزداد جمالا يوما بعد يوم، و تفيض نضارة ، تحسدها عليها القرويات الغيورات، الخبيثات ، النافثات للحقد بغير حساب. تكبر صفاء و تكبر لوثة القلب في نفوسهن، و تكبر الحقيقة الخفية، و تتضخم لتنفجر في وجه الجميع. صفاء البنت الجميلة بكمــاء، جمالها أخرس لا يطرب الآذان. ترتاح القرويات، و تهنأ نفوسهن، و يحل النبأ كالصاعقة على أهلها.
يثور الأب،ويلعن أم صفاء، ويرميها بأقبح الألفاظ، و يضربها ضربا مبرحا؛ ليضع الحقيقة أمام عيني الابنة في أعرى صورها. تتألم و تحزن، فتذبل العينان و يصفر الوجه. ينتفض قلب الأم و يدق ناقوس الخطر، فتأخذ ابنتها إلى أضرحة الأولياء الصالحين ، وإلى الحكماء ولكن دون جدوى.
تتقافز السنوات معلنة عسر الشفاء، و تتبدد الآمال، و تخفت نيران الحقد في نفوس القرويات، و تشتعل نيران الحزن في قلب صفاء، فتتفجر إبداعا على الورق: تتحول رسوما جميلة، آسرة للنفس ، مشجية لها: ترسم ألسنة تحتضن الكلمات ،و عيونا تبكي دماء، ووجوها جامدة مكسورة أجزاء. تفعل ذلك في كل لوحاتها وسط إطار طبيعي فطري خلاب. تستيقظ الغيرة الكامنة بأفئدة القرويات، فينعتنها بالجنون والسحر، و يحرضن الأهالي على منعها من الرسم: يردن إسكات صوتها إلى الأبد، يردن إقبار جمالها الفتان، يردن قطع خيط الأمل الواهي بعنف وضيع،يردن قطع صلتها بالحياة. لا ترضخ لمشيئتهن. تثور ، فتزداد لوحاتها شجنا و غزارة، لتتخذ الطبيعة لونا حالكا كزنجي أسير ودع الحرية إلى الأبد، وتتكسر الحروف على الألسنة ، ووتتلظى بالنار، وتنبعج الوجوه و تتمطط ، فيغيب الشكل ،
وتتجمد التعابير لتصبح ممسوخة،فيستشيط الأهالي غضبا،ويهاجمون الكوخ، وينتشلون صفاء من بين أدرعة والديها المتشبثة بها خوفا عليها، فييكبلونها ككومة قش يوم الحصاد، ويرمونها أرضا،ويأتون بلوحاتها ، ويشعلون النار فيها، فتصعق صفاء و تصدم ، فتصيح فيهم بأعلى صوتها و تلعنهم، وترثي حالها باكية وسط دهشتهم، دون أن تشعر أنها بدأت تتكلم فعلا، تتكلم بلسان احتضن الكلمات سنينا طوالا ، فما عاد ممكنا إسكاته.

كاتب قصة قصيرة وشاعر، لي عدة منشورات ببعض الجرائد الوطنية المغربية وبعض المواقع الإلكترونية

السابق
خائن
التالي
المنطق المسافر

اترك تعليقاً

*