القصة القصيرة

التحليق الأخير

قبل غروب شمس الاثنين الأول من شعبان عام ألف و أربعمائة و إحدى و ثلاثين هجرية بقليل ، و فى حوالى الساعة السابعة و النصف مساءً كانت الأنفاس الهادئة المطمئنة تتصاعد و تملأ محيط صدرها الفسيح و تدور فيه دورتها المعتادة دونما إجهاد منها ..
فى حين كان قلبها الكبير الذى دائمًا ما كان يتسع لأهواء البشر أجمعين على اختلاف أمزجتهم ينبض بنبضات وئيدة تسرى بين ثلاثتنا نحن الواقفين بجوار سريرها الوثير و كأنه زلزال يعصف بنا فى كل اتجاه .
أنا و زوجتى و شقيقتى الكبرى .. بينما كان أخى الأكبر و ابن شقيقتى يستدعيان الطبيب المعالج ..
كان نبض قلبها الهادئ يغرقنا فى بحور الأمل اللا نهائى .. رغم تقدمها فى السن ، و لهفتنا إلى تحليقها الدائم و المستمر بيننا ، كالعادة على مر السنين باشتياق المحب المعطاء دائمًا بسخاء …
كانت الأنفاس تدخل و تخرج من قفصها الصدرى فى انتظام منقطع النظير ، و كانت يداها على كثرة إرهاقهما عبر الأزمنة الطويلة ترتاحان بين كفىَّ الجافتين ، و تبث فى عقلى السابح حينها فى أمور شتى .. كلمات لم تُقَلْ على مدار الستين عاما التى عشتها بين أحضانها الدافئة ..
فى لحظة فارقة عندما خرج الطبيب من جوارها .. كنت مشدوهًا لما كشفه الطبيب من بياض بشرتها و صفاء سريرتها و ثبات نظرتها التى لم تتحول عن الجدية فى يوم من الأيام .
بشىء من البديهة فطنت لباقى الالتفاتات التى كانت تريد أن تكملها ، و تُسِرّ بها لفؤادى المهلهل ، و بعض الوصايا لما بقى لى من أيام على ظهر هذه الدنيا ..
تشبثت بكل ما أملك من قوة بأعمدة السرير النحاسية بعد أن رفع الطبيب أجهزته الحديثة أبتهل إلى الله علنى أصل لبيت الداء الذى استشرى فى فروة رأسى ورأس كل أبنائها و أحفادها و أبناء العزبة و القرى المجاورة على امتداد المدى من شاطئ البحر المالح حتى درب الأربعين بأقاصى الحدود الجنوبية للوطن …
ثبتُّ كلتي قدميّ فى أعمق أعماق أرض (المندرة) ، و غرستها جيدا فراسخ معدودات حتى عظمة الزرع حتى لا تختلف منى عظامى ، و من قبل كنت قد أغلقت كل النوافذ المطلة على الخارج ، و كل السماوات المفتوحة مخافة الفراق الطويل بينى وبينها ..
فى سرعة البرق مرق أمامى شريط الذكريات بيننا ، و كأنه كان يمتطى صهوة براق فى ليلة التحليق الأخير …
تبسمت كثيرًا للرؤى السعيدة التى جمعتنا معًا ، و توقفت عند العتبات التى عبست فيها بوجهى تلومنى لنزوات عابرة صدرت منى …
تمنيت لحظتها أن تسوى الأرض بكيانى و نفسى الأمّارة بالسوء إن لم تكن سامحت ذلاتى البشرية آنذاك ، و أحسب أنها فعلت ما كان يروق لها عن طيب خاطر .
انهمرت الدموع من عينىّ أنهارًا .. بللت لحيتى القصيرة ، و أغرقتنى حتى (شواشى) قامتى القريبة من أرض (المندرة) ندماً على ذلاتى العصية فى بعض الأوقات …
لم تجزع هى برهة واحدة ، و لم يفتر أملي فى رحابة صدرها نحوي و دعائها المستمر بالستر فى الدنيا و الأخرة فى كل حالاتى …
وجدتنى أهمس فى كل الآذان المحيطة بسريرها النحاسى :
ــ تجلدِي يا أم …
فالمنغصات الدنيوية رحلت عن ديارنا منذ الليلة حيث لا عودة ..
و الأفاعى و الوشاة كمنوا فى جحورهم منذ مطلع الفجر ..
و العقاقير المسكنة بطل مفعولها من يوم خلصت النوايا و تعافى الوليد عن سعى أبيه وهجران ثدى أمه .. و أفراخ العصافير قصت الأثر القديم ــ زقزقت ــ بالتراتيل الكريمة و الأحاديث الصحيحة ..
استخرجت من بين طبقات الجبل الشاخص إلينا للغد القادم بقايا رايات الأوائل عند موقعة بدر الكبرى …
رفعوها لعنان السماء .
حجوا البيت مرات و مرات ..
انصلح الحال يا أم ..
بشت الوجوه ، و مضت ترفل فى النعيم المقيم بكل بقعة في أرضنا الحبيبة ..
بالله عليك يا أم .. لا تبالى بآثار الندبات الغائرة بظهرى ، و لا إلى التواء كاحلى الأيمن ، و لا انكسار عنقى أيام نزواتى الصبيانية الأولى …
سوف أشفى ..
اصبرى ، و صابرى ..
و تحملى من أجلى كل عذابات الألم ، و كاسات الوخز الطافح على جلدى من بعدك ..
و وجهى المشتت فى وديان التيه و الوحشة إن لم تغفرى لى يا أم ..
ارفقى بى كما أنت ..
رافقى الحملان و الأصحاب فى البوادى والمراعى الخضراء هناك .. سلسلى الشرور كلها فى صعيد واحد و اقذفى بها فى المحيط حيث لا قرار …
هذا دعائى الدائم لكِ ..
بل شمرى عن ساعد الجد فى هذه الساعة ..
الساعد الذى ربى عماتى و أعمامى فى بدايات الربع الثانى من القرن العشرين ، و جعلهم رجال و سيدات مجتمع حملوا مشاعل النور و رايات التقدم ، و صدوا كل الشرور و الحروب ، و من قبل شيدوا الأهرام و السدود و القلاع الشم حتى كان النصر المؤزر …
هدئى من روعى ، و أطلقى المسك و البخور يلفنى ليقينى من العكوسات التى تعترض طريقى من بعدك ……

فى حركة مفاجأة نفضت عن جيدها العسجدى بإحدى يديها النحيلتين الشال الحريرى المطرز بحبات اللؤلؤ ، و الذى كانت تتباهى قديمًا بأننى اشتريته لها ذات يوم من شارع الموسكى إكبارًا و إجلالا لفضلها الدائم ، و برهانا خالصا على مدى حبى .
من بعدها ربتت على كفى المعروق فوق الوسادة ثلاثًا …
لم أفهم ما كانت تعنى بالضبط …
و لم أكن أجيد قراءة الكف ..
تبلد حسى فى مكانى مهابة القادمين لها ، و لم يسبق لى رؤياهم بعين الحياة …
أدنتنى من جبهتها المحملة ببقايا سهر الليالى الطويلة السابقة ..
جثوت على ركبتيَّ طويلًا علي أفهم لغة الشفاه …
ــ أبداً ــ
لم أستطع فهم ما كانت تعنى فى حينه ..
تحشرجت الكلمات فى حلقها الذى كان دائماً ما يقطر عسلاً مكرّرًا لثلاثة و تسعين عاماً مضت …
تقطب جبينى حينًا من الزمن ..
بهتت أساريرى لمسافة لم أبلغ مداها من قبل ..
عاودت تقبيل الأرض من تحت قدميها ، و طبعت وشم شفتيّ الوبيلتين على قورتها العريضة وعروق يدها النافرة .
تركتنى و شأنى ..
اصنع ما شئت ..
رجَعتْ بسرعة بيد متثاقلة تأخذ بيدى و تضمها إلى صدرها النابض و تدسها ببطء شديد بالقرب من حنايا العرق الضخاخ .

ضَغطتْ أو حاولت أن تضغط بكلوة يدها الرقيقة على أصابع يدى المرتعشة ثلاثًا ، ثم رمقتنى بنظرة قصيرة من عينيها ، و أسبلتها و هى تربت على ظهر يدى ثلاثاً ..

عندها وصلتنى المعان كلها فى لحظة واحدة ، و علمت بأنه قد حان وقت التحليق الأخير …
ــ {اعمل يا بنى عملاً صالحاً من بعدى ترزق و تؤجر من أجله} .

السابق
السياسي
التالي
الكومبارس

اترك تعليقاً

*