القصة القصيرة جدا

التعديلُ الأخير

كان قاب قوسين أو أدنى، لولا أن فكرةً أرغمته على أن يبرح الكرسي ويتقهقر نحو الأريكة. تأمّل كومة الأوراق فوق مكتبهِ قبل أن يصطفي من بينها واحدةً؛ تناول القلم، رجع إلى السطر للمرة الرابعة…
– …فهل تذكرني يا أحمد؟”.
دوّن جملته الأخيرة، وما كاد ينهيها حتى صاحت (أمّ أحمد):
– لعنة الله عليك يا شقيّ…”.
انسلّت من بين شفتيه ايتسامة باهتة قبل أن يتمتم:
– المسكينة.. عضّ حلمتها ثانية”
ثمّ أردف أمنيته أسِفاً..
– فقط؛ لو كان بجعبتها بعض حليب”.
تنهّد عميقاً، وبعنايةٍ وضع المسوّدةَ جانباً، ثمّ آبَ بخطوات واثقة إلى الكرسي مرّة أخرى. ارتقاه بتؤدة، لفّ الحبل حول عنقه وأحكمَ شدّ الوثاق، تحفّزت رجله اليسرى، وما كادت اليمنى تتزحزخ عن مكانها، حتى.. (بووووووم)… انهارت السقيفة فوق رأسه وسقط مغشيا عليه.
استيقظ بعد حين على حجرته وقد استحالت خربة، لم يقوَ على القيام، فزحف فوق رطل من غبارٍ. بصعوبةٍ امتدت يده إلى الباب، فتحهُ وواصلَ الزحفَ، غاية الحجرة بالجنب، مدّ اليد مرّةً ثانيةً، و…
– أحمد….

– أم أحمد…”.

ردّدتِ الهوةُ صدى صرخاته و … ما كاد يسقط هذه المرّة حتى تلقفته الأيادي؛ حقنةٌ أخرى، غطّ إثرها في نوم عميق. فوق كرسيِّهِ، اعتدلَ رجلُ الإطفاء، وأطرقَ برأسهِ يتأمّلُ ورقة وُضعت بعناية فوق منضدته، فكّر مليّاً تناولَ القلمَ ودوّن…
– … فهل تذكرني يا نورالدين”.
على نطاقٍ واسعٍ؛ تُدووِلتْ روايته الأولى والأخيرة.

السابق
صيدٌ
التالي
الموكب

اترك تعليقاً

*