القصة القصيرة

التلفاز

..كنتُ مرهقا، لهذا لم استحمل..! طاقتي نفذتٔ، طوال نهار من السير، جيئة وذهابا، وراء محراث تجره بغلتان قويتان؛ بعده سرتُ مسافة ليست بالقصيرة، هبوطا وصعودا، باتجاه المقهى، لأَملأَ زوادة نهار آخر، بما يكفي من الدخان.لا استطيع تخيل قضاء نهار آخر طويل، خشن، غزير العرق، وراء بغلتين نزقتين، دون دخان، وحدي افتقد يدا تستبدل يدي على قبضة المحراث، فقط صاحب الارض ورائي يملأُ الفراغات التي لاتطالها خطوط المحراث بين الاحجار وحولها، بضربات فأس صغير. ولايمكن ان اطلب منه اكثر، فما انا إلا اجير يومي، يمكنه ان يترك العمل ويمضي في سبيله إذا لم يرُقْهُ.! لهذا كنتُ كلما اشتدَّ بي التعب، وسرى الضجر في دمي، وغصَّ الملل في حلقي، اتركُ قبضة المحراث، بعد ان اغرز سكته عميقا في التراب، كي لاتجره البغلتان وتهربان، الى قبضة السبسي ودخان الكيف، واشعل نارا صغيرة كما في كانون، داخل بيت لايبدو منه سوى انف مدخنته الاسود، أُلْقي فيها بما تراكم داخل سطل القمامة النفسية من فضلاتِ ونفاياتِ مشاعر التعب والملل والقنوط والقهر.. والصبر.! وبعد ان يتلاشى آخر خيط دخان من مدخنة انفي، انهض، ابصقُ على يدي الخشنتين، اتناول السوط، وامسك قبضة المحراث الحديدية بعزيمة متجددة، بعد كل دُشِّ دخان..!
وإذا استطعتُ يوما تخيل كينونتي دون دخان، سأقلع لامحالة.هذا ما كنتُ اقوله لزوجتي، كلما قالت لي : إرم عنك الدخان..! لكنها لم تفهم ان الدخان ليس شيئا تمسكه، لترميه متى شئت وحسب. وان النفس كتلك المنطقة من الظهر التي لاتطالها ايادينا اثناء الاستحمام، لكن مع ذلك يجب حك وسخها المتراكم..!
كما لم افهم كيف تجلس زوجتي متسمرة، متخشعة، امام التلفاز، منصرفة عني تماما، الى حلقة اخرى من مسلسل مدبلج طويل، ربما لن ينتهي..!
كنتُ مهدودا، بعد مجهود اضافي استنزفته مني الطريق الى المقهى، هبوطا وصعودا، مباشرة بعد فك حبل البغلتين عن المحراث، دون ان امر على البيت لاغتسل وابدل ثيابي..كان منسوب التعب في حياتي مرتفعا، وطاقة السد النفسي في اعلى مستوياتها، لدرجة ان الصبيب لم يعد يتناسب مع تدفق منسوب التعب.! لهذا لم استسغ هذا الاهمال من زوجتي، الذي يشي بعدم الاحساس بما اكابده من عناء ومشقة، كي نرسخ عش اسرة ناشئة، بين اغصان شجرة في مهبٍ للرياح.؟
لم اجد ماءا ساخنا، لأغسل قدمي من رائحة بوط بلاستيكي، انتعلته قبل طلوع الشمس، واخلعه كاحد ايام رمضان بعد غروبها. وبراد الشاي، على غير العادة، مقلوبا على راسه وسط الاواني الفارغة..!
كنتُ جائعا، جائعا الى الراحة اكثر من جوعي الى الاكل، ولم اكن في حاجة الى خوض جولة من معارك بيوت الزوجية، لما سألتُ زوجتي عن الماء الساخن والشاي. لكنها استفزتني، حين وضعتْ اصبعها على شفتيها، وقالت وعيناها غارقتان في التلفاز :
– شْتْ….
نظرتُ الى الرضيع النائم، فمه مفتوح بعد ان سقطتْ منه الرضاعة..نظرتُ الى التلفاز.. الى عيني زوجتي البعيدتين.! فلطالما راودني احساس، في الفترة الاخيرة، كاحساس الغيرة من جهاز التلفاز، بعد ان اشتريته تحت إلحاح زوجتي، لشعورها بالغبن امام الجارات وهن يتحدثن عن آخر حلقة وعن الحلقة القادمة.! كما صرتُ اتضايق ، كلما اوينا الى الفراش، من شعور بارد يهب على السرير كريح شتاء، إذ احس ان ما بجانبي هو جسد زوجتي فقط، اما روحها فعلى سرير في التلفاز.! التلفاز صار ينام بيننا..! لكني كنتُ اضع الوسادة على رأسي، وأشْهِرُ سبابتي في وجه شعوري، واقول لنفسي :
– انت المسؤول..! انت الذي يلوذ كل مساء بالمقهى، ويترك زوجته، التي قضتْ معظم طفولتها وجزءا من مراهقتها، في الرعي، ولم تعرف عن الدنيا سوى ما روته الامهات والجدات، فريسة عارية امام تلفاز غادر..!
والآن اخذ التلفاز مني زوجتي تماما. ولم يعنها البتة ان اغتسل، او اظل ببوطي الى الصباح؛ أنْ اجد كأس شاي ساخن، او اكتفي بجرعة ماء واتمدد الى الصباح كيفما أتُّفِقَ.! وكأن كفاحي المستميت لاجل النهوض بالعش الحديث العهد، لايعنيها البتة هي التي تقضي جزءا من يومها في النوم، فشغل البيت لايأخذ من وقتها كثيرا، كما اننا لانملك سوى نعجة وحيدة مربوطة طول اليوم، ولم ننه بعد تشييد دار لنا، بيتان فقط وسور خارجي، وخطوات اولى على درب تأسيس اسرة، في استقلال عن عائلة الاب والاخوة التي ما عادت تُطاق..!
نظرتُ الى التلفاز بغضب. رأيتُ رجالا لايشبهونني، يشيرون الي شامتين، ويقهقهون. كانت زوجتي تبتسم.! امتدتْ يدي الى آلة التحكم، وخبطتْها بالحائط..صرختْ زوجتي، وقفزتْ في وجهي مشهرة اظافرها، بدتْ لي كممثلة تؤدي إعلانا تجاريا سبق وأنِ استفزني..!
هل صفعتها..!؟ لم اعد ادري..! فقط اتذكر زفير بخار الغضب المتصاعد من خياشيمي الملتهبة، وهو يصير ضبابا يلتف حولي، لم اتبين في ظلمته البيضاء سوى صراخ الرضيع، باكورة زواج يترنح في خطواته الاولى، بعد ان تعثر في تلفاز غادر..؟
حملتْ زوجتي الرضيع، وهربتْ.. رأيتها تدخل الى التلفاز. وتمضي رأسا الى سيارة فارهة. ثم تركب الى جانب البطل. تضع الرضيع في الكرسي الخلفي، وتطلق ضحكة كضحكة عمر ظل محتبسا.! وتنطلق السيارة.. هل كان الرضيع ايضا يبتسم..!؟ لست متاكدا من شيء..!
اندفعتُ وراءها، اصيح : زوجتي اختطفتْ، زوجتي اختطفتْ..! امسكني البوليس، وارادوا وضع القيد في يدي..؟ تفلّتُ منهم. وقفزتُ الى دراجة احدهم. اندفعتُ على العجلة الخلفية، رافعا الامامية في وجههم.. راوغتهم، وانطلقتُ باقصى سرعة ، هاربا، قبل ان افكر في مطاردة سيارة البطل خاطف زوجتي.! رأيتهم يندفعون ورائي، وسمعتُ صفارات سياراتهم تلاحقني كما تلاحق اصوات الرعاة ذئبا انكشف.. ورأيتني بطلا ماهرا يستطيع سوْقَ دراجته في اوعر الممرات، والقفز بها من على انحناءات المنحدرات، والإلتواء بها في أضيق وأحَدِّ المنعرجات..
بطلا يستمتع بانزلاق السيارات المولولة وراءه، وانقلابها في المعرجات واحدة بعد اخرى..بطلا يقود دراجته منتصرا الى جرف، ويتركها تهوي الى أجمة كثيفة، كي لايُخلِّفَ أثرا يدل عليه. ثم يدخل كوخا مهجورا في الغابة، ليستريح قليلا، ويضغ خطة لمطاردة البطل خاطف الزوجة، دون ان يقع في مرمى مطاردة الشرطة له..!
رايتني في الكوخ اغفوا قليلا. وارى ، في منامي، رجلا ينبثق امامي كملاك، ويخاطبني، آمرا، فيما يوجه مسدسا صغيرا الى راسي :
– إسمع، انا مخرج المسلسل في شكله القديم، والآن ارتأيتُ ان اضيف حلقات اخرى الى قاطرته، وقررتُ انْ يُقتَلَ البطل، خلافا لما رسمتُه سابقا.! انت من سيقتله..هذه مشيئتي انا المخرج الذي جعل من نطفةِ حلقةٍ سلسلة مديدة لاتنتهي، تنتهي اعمارنا ولاتنتهي.! لهذا رسمتُ لك دورا، بعد ان قذفك قدر تلفزيوني، الى حلقات مسلسلنا الخالد..! احذركَ انْ ترفض..لانه، في هذه الحالة، سأقتلك بمسدسي هذا، وسيُصور القتل قتلا لبطل احدى الحلقات، وانتهى الامر.! فاخترْ : إما بطلا قاتلا، او بطلا مقتولا..؟
رايتني بطلا، ينهض متوثبا.. يتمنطق سلاحه، وينظر الى مرآة قديمة في احدى زوايا الكوخ، يرى صورته في ايهاب رامبو قاهر الاقوياء ومغيث الضعفاء، ينطلقُ واثقا كالعاصفة..
يزحف رامبو على بطنه، مسافةً طويلة بين اشجار الحديقة الخلفية، حتى يبلغ سور البناية المرتفع، دون ان يتفطن الحارس..يتسلق السور، كعضاءة، الى ان يبلغ السطح..ومن هناك ينزل، خفيفا، على الدرج، بعد ان يلوي عنق حارس دون ان يتمكن من إطلاق صرخة، ثم ثان، وثالث…!
رامبو وما ادراك ما رامبو، رأيتني اقول بلسان البطل..ومن يستطيع انْ يقف في وجهه، لما يشْهِر رشاشه..!؟ يتساقطون كفراش اصابه مَسٌّ من نار. وحتى المروحية التي اقلعتْ هاربة بزعيم العصابة، لاتستطيع التفلت من قبضته المفتولة..!
رأيتني بطلا مزهوا تسيل شفتاه، على غرار شفتي رامبو، في انتظار قُبْلة حارة، طويلة، من فم الحبيبة المحررة، قبل ان تُسدل النهاية…
ولا تأتِ القبلة الظافرة..بل ترتفع، فجأة، اصوات سيارات الشرطة، ومكبر للصوت يعلن ان المبنى مطوق، وعلى الارهابي ان يسلم نفسه، وإلا تَمَّ الاقتحام..؟
رايتني بطلا ارهابيا، يُطل بطرفة عين من النافذة، ليرى فوهات البنادق متوثبة من كل الاتجاهات، بطلا لايتراجع، يفتح الباب، فيلعلع الرصاص…!
استفقتُ مذعورا.. كانت زوجتي قد ذهبتْ، غاضبة، مقسمة، ان لاتعود ابدا الى هذا السجن.! وكنتُ قد نمتُ دون ان انزع البوط من قدمي، تحت وطأة الغضب والتعب. وبقي التلفاز مفتوحا ..انقلبتُ الى الجنب الآخر، وتركته يقدم وصلة اشهارية لمنتوج يحافظ على جمال القدم، وواصلتُ النوم، دون ان انزع البوط من قدمي..!

السابق
بَدَوِيَّةٌ
التالي
خلف ظلال الستائر

اترك تعليقاً

*