القصة القصيرة جدا

التواءٌ

دوَّتْ صرخات الهلع، عبر الحناجر أفرغتِ الصدور كلَّ رعبها المخزون، قلب عينيه في الجموع الخائفة، انطلق قطار الموت فجأة كالرصاصة، تشبث الركاب بمقاعدهم في ذعر، اطمأن كل منهم على حزامه وشدتيّ كتفيه، نظر في قلق بالغ إلى القضبان المقلوبة، والمقاعد المثبتة فيها من أعلى، ركبتاه ترتعشان بشدة وعيناه معلقتان بأحد الركاب. زمجرت العجلاتُ ككلاب مسعورة، دارت العرباتُ كالسكارى في طرق ملتوية وأنصاف دوائر، صعدت لأعلى في خط مستقيم ثم توقفتْ فجأة في الهواء، تدلتِ الرؤوس المنكسة، علت الأرجل المقلوبة، ارتفع معها العويل الهيستيري، انحدرتِ العربات نازلة بسرعة البرق، قبل متر واحد من ارتطامها بالأرض توقفت، ثم عادت للصعود في منحنيات متعرجة، كأنها أفعى أناكوندا ضخمة، كادت القلوب الوجلة تقفز من صدورها.
لم يفهم قطُّ مغزى المتعة من هذه الألعاب القاتلة، هل نتغلب على رعبنا إذا طرحناه خارجًا، وصرخنا في وجهه بكل قوة؟، هل نخيف خوفنا ليفرَّ من أمامنا ولا يعود؟، هل نقدِم على مواجهة الموت لنشعر بلذة الحياة؟
العربات تدور والأسئلة في رأسه تدور كبذور البن في المطحنة: ماذا لو انقطع التيار فجأة؟ ماذا لو خرجت العجلات عن القضبان الحديدية؟ لو انقطع الحزام المثبت بالمقعد؟، في ثوانٍ معدودات، هدأ إعصار الرعب، عاد الدم الذي غاض إلى الوجوه الشاحبة، فكأنما كانت ورودًا ذابلة أضناها الظمأ، فلما ارتوت رُدت إليها نضارتُها، اختلطتِ الضحكات بالدموع، فكأنما هطل المطر والشمس مشرقة، اطمأنت الصدور التي كانت تفور مراجلها، وهدأت الأسنان التي اصطكت، وارتخى الشعر الذي كان منتصبًا كالإبر.
تحسس قلبه الذي كاد يتوقف، حرك قدميه اللتين يبستا كجوالي ملح على أرضٍ كادت تميد به، فتح ذراعيه على اتساعهما، ليحتضن فلذة كبده النازل من الأفعوانية المجنونة.

السابق
مفارقة
التالي
غداً سيصلي

اترك تعليقاً

*