القصة القصيرة

التوتو

في الصباح يستيقظ الجميع .. يجلس كل واحد مكانه .. علي فرشته مستعد ومتأهب لسماع صوت سقط اقدام.. بيش شاويش سجان .. وهو يصيح مد صوته الجهوري ..
ــ صباح الخير يا حراميه يا حلوين .؟
” عرفت فيما بعد .. ان هذه الجملة التي يقولها ” البش سجان”.. للحرامية ما هي الا اشارة .. او سيم فيما بينهم .. علي انه كله تمام .. وما في تفتيش من ادارة المصلحة.. أو من فرقة مكافحة شغب السجون .. وان الامن مستتب ..
دوران المفتاح في القفل .. لا يشعر به الا من جرب السجن ..
ما ان ينفتح الباب حتى تنطلق علي اثرها اصوات المساجين .. اسمع احدهم يقول.
ــ يا عم سيبها علي الله .. يا عم قول يا رب .. يا عم سيبها علي الله .. يا عم قول يا رب ..
ويظل هكذا يدور ويردد .. في كل ممرات العنبر .. بأدوار السجن الاربع حتى يخرج من باب الكبير …
واخر ينادي ..
ـــ اشغال .. الاشغال بسرعة .. الاشغال .. الاشغال بسرعة ..
وثالث ينادي وهو يطرق علي ابواب الزنازين .. ومعه صفيحة الفول .. وسبت العيش ..
ــ الفطار . الجراية , يالله الفطار . الجراية ..
يقترب صوت الشاويش من الزنزانة التي انا فيها ..ادار المفتاح في القفل الحديدي وكأن المفتاح لا يريد ان يفتح .. واخيرا فتح بصعوبة بالغة .. ربما لان الاقفال قد صدئت .. فلا تفتح الا بصعوبة بالغة.. يرمي الصباح علينا.. ويمضي ليفتح زنزانة اخري..وهكذا دواليك, يندفع كل من في الزنزانة للخارج ..للحاق بمكان في طابور التشطيف بالحمامات المزدحمة .. اما انا قادتني قدماي الي خارج الزنزانة .. عبر الممر الضيق .. وقفت .. لأري واسمع عجب العجاب .. ازدحام رهيب .. في المبني المكون من اربع طوابق فقط لا غير .. كل طابق به ما يقرب من ستة عشر زنزانة .. أما تأديب .. او تحقيقات بلبسهم الابيض المميز.. واما حبس احتياطي .. وقد قسمت هذه الزنازين الي اقسام .. زنازين قتل .. مخدرات .. دعارة .. شكات بدون رصيد .. الخ ….
وقفت امام دورة المياه .. التي بجوار زنزانتي .. كانت مزدحمة علي الأخر .. الناس واقفون فيها شبه طابور .. في انتظار قضاء الحاجه .. وطابور لتشطيف وغسل الوجه , والوضوء كذلك .. هرج , ومرج .. يملأ المكان .. والكل يتدافع ويتعارك .. ليأخذ مكان غيره .. بحجة انه محصور.. ومنهم من يدق علي باب الحمام اكثر من مرة .. ومن بالداخل يتنحنح له ليستحثه علي الصبر.. والاخر لا يستطيع الانتظار اكثر من ذلك .. انتظرت حتي خف الناس .. وبقي النذر اليسير .. اخذت دوري في الطابور.. نظرة في ساعة معصمي .. كانت تشير الي الساعة التاسعة صباحا .. حاولت ان ابحث عن احد اعرفه .. واحد من الواقفين بجواري تعرف علي .. وعرف اني مستجد .. وامتد التعارف بيننا الي ان جاء دوري .. الحمام يشبه بركة مجاري .. القاذورات طافحة .. القوالب وضعت في الماء .. بعضها غرق .. تخطيت فوق الطوب .. لم اطق المنظر .. ولا الرائحة الكريهة .. خرجت مسرعا .. فوجدت طابور التشطيف قد انتهي .. غسلت يداي , توضأت وخرجت .. دخلت الزنزانة التي سُكنت فيها .. فردت بشكيري وصليت .. ثم جلست في مكاني .. عزم علي احدهم بكوب شاي ساخن .. كنت في اشد الحاجة اليه.. اخذته وشكرته .. اشعلت سيجارة كيلوبترا علي إثرها .. ثم سألته
ــ كيف احصل علي هذا الكائن .. الذي تصنعون عليه الشاي ..؟؟
ضحك احدهم وهو يقول لي ..
ــ ” التوتو ” واحد من المساجين بيصنعه هنا في داخل السجن ..
ــ ……
ــ ” كل جاحه عوزها هتلقيها بتتباع هنا ..؟
دهشت لكلامه .. ثم سألته مرة أخري ..
ــ ” كيف ” ..؟!
ــ الذين في السجن اهليهم بيجيبوا لهم اللي يحتاجوه وهم يبيعوه داخل السجن
ــ كل المساجين
ــ لا, ولكن من يريد ان يفعل ذلك …
وانا لم ازال اتكلم مع الرجل .. الذي اعطاني كوب الشاي .. والذي عرفت فيما بعد انه عم ” سيد “.. سمعت من يناديني بالخارج .. خرجت لأتبين واستوضح الأمر.. فوجدت البش شاويش السجن .. بيده حزمة من الملفات الورقية .. يقرأ منها الاسماء .. ومعه المساجين الذين حضر معي ليلة امس .. اقتربت منه لا خبره اني صاحب الاسم الذي كان يُنادي عليه .. فوجدته يقول لي بنبرة حادة ..
ــ ” عرض الاراد على مأمور .. ..
واصطحبنا الي مكتب المأمور ..اوقفنا طابور امام المكتب .. طلب منا الصمت والهدوء .. حتي يستطيع كل واحد منا .. يسمع اسمه عندما ينادي عليه .. اشعلت سيجارة أخيرة كانت في جيبي .. نظرت الي خارج السجن .. من خلال شباك حديد كبير .. فجاءني المشهد قوي .. ورحت اتذكر تفاصيله
” تدخل علينا بيت اخي من الخارج .. منهارة , مضروبة وهي تبكي .. سألتها أمها .. بعدما اقتربت منها .. وهزتها بعنف .. ”
ــ ما بك ..؟! .. ولماذا تأخرتي حتى الأن ..؟!!..
فذاد نحيبها .. واجهاشا بالبكاء .. وعندما ضغطنا عليها .. أخبرتنا بما حدث معها
ــ بعض الشباب كل يوم .. يقفوا علي ناصية الشارع .. يعاكسون البنات … واليوم تحرشوا بي .. فشتمتهم .. فضربوني …
حينها جن جنوني .. وطار عقلي من رأسي .. عندما سمعت منها هذا الكلام .. ولم انتظر ان تكمل الحكاية .. قمت مندفعاً كالثور الهائج .. طلبت منها ان تأتي معي .. لترينهم , هؤلاء الاوغاد.. فكيف يجرئون علي ذلك .. تبا لكم والف تب.. الا يعلمون من تكون هذه .. انها بنت اخي ..الويل لهم والثبور.. حاول بعض افراد اقاربي ..ان يمنعوني من الذهاب اليهم بمفردي .. ولكني رفضت ذلك .. وأصررت علي ملاقاتهم وحدي .. حتي اعطيهم درسا في الاخلاق .. لا ولم ينسونه ابدا ” .
يغمزني من بجواري .. يأتيني الصوت في اذني قوياُ .. ينادي علي اسمي ..
ـــ …….
ـــ افندم
ـــ ما ترد يا بن الكـ ……”
ـــ لمؤاخذه يا فندم
ادخل خلفه الي مكتب المأمور .. فأشعر بدفأ التكيف .. حدَّ جني بنظرة حادة وفاحصة .. وانا انظر في الأرض .. برهة غرس فيها عينيه في الأوراق .. التي امامه علي المكتب .. بدافع الفضول .. سرقت بعض النظرات .. تلفت حوالي لأستطلع مكتب المأمور.. وهو منشغل يتنقل بعض الصفحات فوق المكتب … برهة صمت كئيبة .. لا يقطعها الا صوت التكيف الهادئ .. واصوات المساجين القادمة من بعيد .. عاد فيها المشهد من جديد .. وتسلل الي رأسي ..
” كانوا لا يزالوا واقفون في مكانهم .. اقتربت منهم وكلي حنق وغضب … أخذت انصحتهم .. وابين لهم ان هذا الذي يفعلونه.. لا يصح .. ولا يجوز .. وأنه عيب.. وانه غير اخلاقي .. فنظر بعضهم الي بعض .. ثم انفلتوا بالضحك .. فبدأت اذكرهم بعقاب الله .. وان هذا حرام.. وانه كما تدين تدان.. فازداد ضحكهم وسخريتهم مني فكلت لهم الشتائم والسباب.. تشابكنا.. وما ان مددت يدي علي واحدٍ منهم لأضربه حتى تجمعوا علي كالكلاب المسعورة.. وضربوني حتي وقعت علي الارض..وسال الدم من وجهي “..
يأتيني صوت جهوري فجاءة .. بنبرة حادة وقوية .. يسألني
ـــ أسمك ..؟.
ـــ ………
ــ عمرك .. ؟.
ــ …….
ــ تهمتك .. ؟.
ـــ قتل افضي الي موت
ــ كنت بتشتغل ايه في بره ..؟.
ــ طالب جامعي ..
ــ تخزين .. انصراف .. غيره ..
يأخذني الشاويش من يدي .. يذهب بي حيث ما كنت .. خارج المكتب ..
ــ اجلس مكانك لما نخلص العرض
يسألني احدهم بشيء من الاهتمام .. والفضول ..
ــ ماذا قال لك ؟.
ــ تخزين
ــ بختك يا عم ..
نظرت اليه باستغراب .. واندهاش لما قال .. فجاء السؤال في هذه المرة من أحد غيره ؟
ــ انت كنت بتشتغل ايه بره ؟
ــ ………
اجلس في صمت .. استدعي المشهد من جديد.. لأكمل تفاصيل الحكاية ..
” تدخل بعض المارة .. خلصوني من بين ايديهم .. وابنتَ اخي تصرخ .. قمت من علي الأرض .. لأكتشف ان ثيابي تمزقت بأيديهم .. والدم يسيل من علي وجهي .. وبعض اماكن من جسدي .. فبعضهم كان معه سلاح ابيض.. واخر بيده خاتم به فص من حديد.. لون الدم الذي رايته يسيل مني .. وصراخ بنت اخي .. وضحكهم علي , واستهزائهم بي .. جعلني اثور عليهم .. وأغضب من جديد .. أمسكت بقطعة من الخشب .. وجريت علي اثنان منهم .. وما ان هويت عليهما حتي كانت المفاجئة الرهيبة , الصادمة .. طفلة صغيرة كانت تتوسط هم .. وقعت ضربتي عليها بالخطأ.. جلست مكاني مبهوتاً .. مذهولاً من هول الصدمة .. القيت ما في يدي .. ووضعت يدي علي وجهي .. في محاولة لاستيعاب ما جري.. فأقبلوا علي فازعين.. يريدون ان يفتكوا بي .. لولا تدخل بعض المارة.. وانقذوني من بين ايديهم بأعجوبة .. وبالعافية أخذوني منهم .. ”
يهزني بعنف من بجواري .. حتى انتبه .. ليقول ليّ
ــ اصحي .. فوق .. العرض خلص خلاص
يعود بنا الشاويش الي العنبر .. ماراً بنا علي حديقة السجن الخارجية .. وما ان دخلت العنبر حتي أسمع من يقول
ــ يا عم سيبها لله … يا عم قول يا رب
هذا صوت ” حسن كلبه ” هكذا يسمونه المساجين .. يدور في ممرات وردهات السجن .. كل يوم يوقظهم بهذه الكلمات..ينتظرونه كل صباح .. ليتهيئوا ويستعدوا للخروج من الزنازين .. والذهاب الي الحمامات .. هكذا صار طقساً يومياً .. ألفته واعتدت عليه.. اسمع صوت عم ” حسين ” وهو يرد خلفه.. متهكماً منه وساخرا.
ــ يا عم سيبها لله يا عم قول يا رب .. يا عم سيبها لله يا عم قول يا رب
ـــ امال هنسيبها علي مين .. يابن الـ ….. ” عليك انت يا حسن كلبة “..
اذا هذا الصوت صوت ” حسن كلبه “.. انا لا ادري لماذا سموه بهذا الاسم … منذ اتيت الي السجن .. وانا اسمعهم ينادونه به هكذا ” حسن كلبة ” …… حتماً ولابد ان لأسمه حكاية طريفة .. أجهلها .. بالتأكيد .. ولا اعلمها..
ما ان يقترب صوته من زنزانتي .. حتى أتهيئ للخروج .. والذهاب الي الحمام .. وبيدي ركوة من صفيح ..
“علبة مربة كبيرة .. قسمتها نصفين .. بعدما افرغت ما بداخلها .. صنعت منها اناء لطهي الطعام .. والنصف الاخر لأسخن فيه الماء .. كل صباح حتي اتمكن من قضاء حاجتي ” ..
سماع دوران المفتاح في القفل .. لا يشعر به لا المساجين ..
وما ان ينفتح الباب.. حتي يتدافع المساجين نحو الحمامات.. اقف في احد الطوابير المصطفة امام الحمامات الطافحة .. والروائح الكريهة .. تعودت انفي عليها .. انتظر دوري في الدخول .. اسمع الاصوات وهي تتداخل .. وتعلو في عراك وشجار.. من له الحق في الدخول اولا .. فأقوم بالصلح والتوافق بين الجميع .. . وعندما يأتي دوري في الدخول .. عليّ ان أمشي بحذر .. وحيطة علي بعض الطوب الغارق في الماء .. حتي لا اسبح في لجة الفضلات السابحة علي وجه الماء .. اسمع من يطرق باب الحمام بقوة .. وعنف ليستحثني علي الانتهاء سريعاً .. لا نه لا يستطيع ان ينتظر اكتر ذلك ..
ــ حاضر .. انتظر قليلا .. حاضر ..
حتى صار طقس يومي .. ممل .. وخانق , ومميتاً .. اسرع في قضاء حاجتي .. في بضع دقائق حتي يتمكن غيري من الدخول .. ليقضي حاجته هو ايضا … اخرج من الحمام .. وفي يدي الركوة .. وبها قليل من الماء الساخن .. ابقيته حتي اغسل وجهي واتوضأ .. أنتظر دوري في الطابور الاخر .. الذي هو علي حوض الحنفيات ..
ادخل الزنزانة التي أسكن فيها أفترش شيئا نظيفا اصلى عليه .. اقرأ وردي اليومي وعندما افرغ من القراءة .. اشعر بالجوع يفترس احشائي .. فرائحة الطعمية السخنة وهي تطش في الزيت تغريني .. اخرج وقد وضعت علبة سجائر في جيبي فهذه هي العملة المعتمدة في السجن ..
” من يضبط معه نقود , او عملة غيرها.. يحرر له محضر بذلك .. بمعرفة ادارة السجن .. ويلقي في التأديب .. في السجن الانفرادي.. ”
تقودني قدماي حيث .. يجلس بائع الطعمية .. في زاوية بالممر .. بجوار زنزانة الشكات .. وقد تجمع حوله بعض المساجين ليشتروا منه .. وهو لا يلاهم عليهم..
ــ الطعمبة الوحدة بسيجارتين .؟.
ــ اعطني خمس طعميات لو سمحت ..
أخذهم واعود ادراجي ..اجلس علي فراشي ” النمرة ” أضعهم امامه.. مع جراية السجن ..وهي عبار عن “ثلاث ارغفة بلدي” وغرفت فول مدمس .. لم يتم طاهيه جيدا.. اغسله من المواد الحافظة.. ثم اقشره بالوحدة.. واضعه في قليل من الماء والزيت .. في نصف العلبة الصفيح .. واقوم بوضعهم علي نار” التوتو ” ..
” عبارة عن وابور شرطان .. يصنع ويباع في السجن خلسة و في الخفاء .. وله اشكال واحجام مختلفة .. وكل واحد بثمنه ” ..
اشتريته من غرفة الحرامية .. بأربع علب سجائر .. وزجاجة زيت بها سولار مخلوط بالماء .. بعلبتين سجائر ايضاً ..
اتناول فطاري .. ثم اشرب الشاي الذي اصنعه لنفسي علي “التوتو” .. ثم اشعل سيجارتي أخري.. بعدما اقوم بلم بقايا الطعام .. وما يلزم غسيله اذا ما عدت من ” التروض ”
” والتروض ” عبارة عن مكان خارج السجن حول المبني القديم المتهالك .. يشبه فناء مدرسة .. مفروش بأشعة الشمس .. ومزروع ببعض الاشجار .. يسمحوا لنا بالخروج اليه .. وفتح باب العنبر لمدة ساعة او ساعتين علي حد اقصي .. لنقوم ببعض التمارين السويدي .. كالمشي .. والجري .. وربما القفز ايضاً .. المهم تأخذ حمام الشمس .. حتى لا تصاب عظامنا بالهشاشة .. ويلتقي بعض المساجين الذين ليسوا في العنبر .. بالعنابر والزنزانات الأخرى .. وما ان تسمع صوت السفارة .. حتى ينتهي كل شيء .. وندخل الي العنبر .. الذي لا يري الشمس ” .
طويت فرشتي بعضها لي بعض .. حتي لا يدوسها احد في غيابي .. ثم نزلت مسرعا الي الحوش .. أتريض.. ولأمارس بعض التمرينات الصباحية .. السويدي وأستمتع بأشعة الشمس الدافئة ….

على السيد محمد حزين، يعمل بالأوقاف المصرية، واسم الشهرة : على حزين، العنوان : ساحل طهطا / سوهاج، عضو في نادي أدب طهطا، نشر في العديد من الجرائد والمجلات الأدبية علي سبيل المثال جريدة الجمهورية والأهرام المسائي وجريدة المساء ومجلة أقلام وغير ذلك ولي ثلاث مجموعات قصصية مطبوعة ” دخان الشتاء ” عن قصر الثقافة ..” وحفيف السنابل ” و” أشياء دائماُ تحدث ” عن فجر اليوم للطباعة والنشر .. وفزت بالمركز الأول مرتين علي التوالي في مسابقات أدبية.

السابق
نُبلٌ
التالي
تَــــــرد

اترك تعليقاً

*