القصة القصيرة

التيه

كان المكان خاليا تماما بأكمله ، تفحص ما حوله جهة تلو جهة ، مفكرا برفاقه كيف تركوه ، النوم ليس هدوء ، زقزقة للعصافير ، حفيف أوراق شجر البلوط ، ماء يرقرق فيتصاعد موسيقى من التواءات النهر سابغة الارتياح في قعر الروح، وقف أبو يحيى مضطربا بشيء من الزهو ، أنه أصبح حرا، ينظر حوله شاردا بالمدى الشاسع،يليه انتعاش يجلبه الارتياح من تدحرج الجبال على تعرج المنحنيات ، وفراغ يجعل سماعك قوقأة يمامة من شجرة قطلب منفردة،تكتشف إن الحياة ليس لها حدود ، إحساس بالغبطة لرفاقه الذين يعتقدون أنهم سعداء في هذا الوقت .
حين يتيه الإنسان في منطقة موحشة ،يتردد بين ذكريات تصبح أمنيات ، ورغائب حلزونية تصعد إذ تعلو وتكبر في رأسه أن يصبح درويشا ، تبين له الأمر خلال عذرية الغابة التي سلمت فلم تمتد إليها يد الإنسان ،يرد في ذهنه أن الغابة تمتلك الحقيقة التي لا يمكن أن تقال ،أو ستقول كما قال له جده الممر الوحيد إلى للحقيقة، أن تكفر بكل شيء أطلق عليه أسم أو صفة .
مكان لا حاجة فيه للمزابل ، تستطيع أن تنام في أي نقطة منه ، تتعرى ، تأكل دون أن تشتري ،تتأمل الغيب ، تمشي ولا تحمل شكا بوحدة الوجود ، يستطيع أبو يحيى أن يقول عن نفسه أنه راض ، لكنه ينقصه شيء ، المرأة ، فلا يكتمل الكون بدون أمرأة .
تغيرت ملامحه الآن فتحول من جندي إلى ناسك ، تحرك بمحاذاة مرتقيات صخرية ، فأصدر بسطاره صوت طقطقة من الحصى ، وعلى الفور رفعت عظاية رأسها وركضت بسرعة مختبئة في شجرة عليق ، وهو أيضا يجب أن يرفع رأسه ويبحث عن مخبأه ،قال :
_ يبدو أن الله بعثها لتعلمني ، والآن يجب أن أبحث عن مخبأ .
وضع يده على بندقيته ، وتحركت قدماه إلى منتصف الجبل لكنه لم يعرف السبب ، ثمة نداءات من دون كلام ، تتوسل إليه تدعوه أن يمشي في هذا الاتجاه . أعتقد مثلما العناكب تنسج مصيدتها دون أن تعرف كيف ،شدًّ خطواته إلى الأعلى والأسفل قاصدا مأواه، لا يوجد دليل أمامه إذ بدت قدماه كأنهما تعرفان الغابة .
وقف عند عقدة مفترقات ،ثمة أصوات يسمعها تدعوه أن يسلك هذا الطريق ،هبط إلى الأسفل ،لا يوجد أي شيء ، ثمة جدار مبنى من قطع صخرية ،أمامه فسحة مربعة مرصوفة بأحجار ملساء ، إنه بأمان هنا تنثر الأزهار البرية عطرها ، مشى ببطء اتجاه الجدار ، شجرة صنوبر تسلقت عليها كرمة ، تدلت منها عناقيد عنب ناضجة ، الجمال يسلبنا كل شيء ، حتى الألم ،يتذكر أبو يحيى أنه تاه عن رفاقه ، أما الآن فقد نسى وجوههم ،حتى القدرة على الكلام تعوزه ،مد يده وقطف عنقود داكن ، تماوج صوت من وراء الجدار :
-لا تأكل ما هو زيادة أيها الجندي !!!!!!!!!!!!
التفت مثل حيوان بري إلى شيء ما خطرا عليه ، حاول أن يكون رابط الجأش ، لم يكن الصوت مخيفا بل رهيبا ، التفت إلى الجدار ، إلى ترتيب بناء أحجاره ، واختلاف ألوانه ، والمخاريق المصنوعة في أعلاه ، كل مخرق يتجه نحو نجم ، وكل نجم سدن لبيت عظيم ، كان الصوت اندفاعة ريح فوق سجادة من حرير ، أبقى رأسه منحنيا ، بينما أوراق الشجر غطت الأرض ، وانقلب الجدار إلى الداخل ، هدأت الريح ،أكل ثلاث حبات ، امتدت السجادة تدعوه للسير إلى باب ضيق مخفي وراء الجدار ، نهض متكئا على بندقيته ، لمس براحته الجدار وهو يدخل باب الهيكل ، كان باردا ، شكله مدور ، في داخله قبة مسبعة القناطر ، في أعلى القبة جوهرة ، لم يدن أحد منها على مقدار عشرة أذرع إلا خر ميتا ، إلا هو عند اقترابه اجتذب قلبه طمأنينة وسرور .
ضوء الجوهرة الفضي ، طفل مسجي على سرير من الديباج ، وعلى رأسه طوق زخرف عليه بقلم المسند القديم ” احرق البخور ودر بها حولي ثلاث مرات ، رش علي الماء ثلاث مرات ، وهاهي ثلاثة ألوان اجدلها اكليلا بثلاث عقد ”
أحرق البخور في مبخرة صفراء علقت في سلاسلها ثلاثة جواهر بيضاء ،البخور يستطيع أن ينزل القمر إلى الأرض ، ولف حول السرير ثلاث مرات ، ورش عليه طيب الماء ثلاث رشات ، وعقد الإكليل ،وجرت على لسانه كلمات بضارب من الحركات على لسانه” سبحان من أحي الميت بصرصر قدرته ”
على حافة السرير وقف أبو يحيى ، كان الطفل المسجى قد بدأ يفتح عينيه ، رآه وهو ينهض ، مما جعله يرجع قدميه إلى الخلف ، إنه يناديه :
– أقترب …حان وقت الكلام …
من شدة ذهوله سقط الإكليل على الأرض مصدرا صوتا خفيفا ، أنحنى الطفل والتقط الإكليل ، وضعه على رأس أبو يحيى ، ساد صمت وجيز ، أحس ضوء يشع من وجه الطفل يملأ الهيكل ، مد كفه الناعمة ومسد وجهه ومسح أثار الدم عن فمه ومنخريه ، أحس بالسعادة ممزوجة مع شيء آخر ، القوة ، قال له بصوت ملائكي :
– مايحدث هو مثال من الشاهد يدل على ما غاب عنكم في أفعال السماء ….وأهل الإيمان هم الأعلون … خذ هذه الناي من القمر … وهذا العقل من الشمس …وهذ ه العلم من المشتري وستهزمون الشر .
استيقظ أبو يحيى من ، فوجد ثلاثة مسلحين ، وبأيديهم ثلاث سكاكين حادة الشفرات ، تأملها بعينين جاحظتين ، وبرزت حروف غريبة شكلت ثلاث كلمات” ناي ..عقل …علم ” قال له أحدهم :
-وقعت في الأيدي الخاطئة
وقال له آخر :
– وفرت علينا العناء
بينما وضع الثالث سكينه على رقبته ، فصر أبو يحيى أسنانه ، ومناجاة منه مثقلة بالإرهاق :
– أرجوك لا تذبحني
لمعة إشباع ، حز رقبته من الأذن إلى الأذن ، مع تكبيرة عالية تكافيء زمجرة وحش ، تدفق الدفء الأحمر من فمه ومنخريه ،كأنهما نافورتيين تتلاعبان في بركة مرصوفة بالزبرجد .

السابق
فايسبوكية
التالي
طفل

اترك تعليقاً

*