القصة القصيرة جدا

الجامعة..

أوشكت السنوات الجامعية الأربع على الانقضاء، وأوشك أن أكون قد خرجت كما دخلت، إلا ما استفدته من علم، لم أستطع أن أتوسع به، فقد كنت أعمل ليلًا في أحد الفنادق القريبة من الجامعة، وقسمت نهاري بين الدراسة والراحة؛ لكي أستطيع أن أغطي مصاريف الجامعة وغيرها، فلم يكن دخل الأسرة كافيًا لهذه المصاريف، والراتب التقاعدي الذي تركه أبي وإيجار الشقة التي نؤجرها محدودين ولا يكفيا مصاريف الجامعة.
نظام الدراسة في الجامعة سهل جدًّا، ويمكن في تخصصي مراجعة ما يدرس يوميًّا لمدة ساعة ونص أو ساعتين، والواجبات محدودة كذلك، ويمكن إنجازها في عطلة نهاية الأسبوع، وكثيرًا ما كنت أضغط برنامجي الجامعي في ثلاثة أيام، وفي أيام الامتحانات النهائية في كل فصل كنت أحصل على إجازة من عملي الليلي.
الأمل الكبير الذي كان يحدوني في كل فصل أن أستطيع البحث في موضوع ما، والتوسع فيه؛ استعدادًا لإكمال دراستي العليا. لكن ذلك الأمل كان يتحطم مع ضغط العمل وإلحاح المصاريف المستمر، وأنتج هذا نفسًا حانقة متوترة قلقة من قادم الأيام، وأثمرت شحًّا في العلاقات الاجتماعية مع الزملاء، فضلًا عن الزميلات.
السيل الجارف كل صباح من الفتيات يمرّ بي دون اكتراث مني ولا لي، فأنا دائمًا على عجلة من أمري، متأخر عن محاضراتي، أستغل كل دقيقة في عمل مفيد يدرّ مالًا، كنت كالقطار، يمشي على سكّته بلا توقف، ولا يرى إلا محطته القادمة، التي سرعان ما يغادرها إلى محطة أخرى، حتى اكتسبت منه صلادة الحديد وجمود المشاعر، مع ما انغرس في نفسي من واقعية التفكير، ومحدودية الأهداف. لولا تلك الطاقة الصغيرة المتوارية التي تشعّ ضوؤها خافتًا في نفسي: حبّ أمي الخالد.
مع مرور السنوات الأربع العجاف تحوّلت الجامعة في نظري من هدف سامٍ سيقودني نحو العلى، إلى قنطرة تعبر بي نحو العمل والحياة؛ فتحوّلت تبعًا لذلك نظرتي إلى العلم، وزاد إحساسي بأهمية المال، وأنه عصب الحياة.
كثير من الشباب كان يطرح هذه الفكرة في أثناء المحاضرات، وفيما يصرّ الأساتذة على أن طريق العلم هو الأفضل على المدى البعيد، كان الطلبة يرون أن لو أتيحت لأحدهم الفرصة بالالتحاق بوظيفة – خاصة العسكرية منها – لكان أفضل وأسرع في الغنى، والزواج، وتوفير مصاريف الجامعة. ولطالما أيّدت هذه الفكرة، لكنني لم أرغب بها لنفسي؛ لأنني أبحث عن ثراء واسع يختصر عليَّ الطريق، ولن يأتي هذا الثراء من وظيفة حكومية أو عسكرية.

السابق
ذاكرة الطين
التالي
فوات

اترك تعليقاً

*