القصة القصيرة

الجفاف

سجل اعتراضه بحركات من حاجبيه وأصوات من شفتيه، حمل فأسه الحجري المتوارث وسار إلى جانب المروى الجافة يضرب الأرض بقدميه الحافيتين، مات الإحساس فيهما منذ تكونت طبقة سميكة متشققة عبر سنوات عمره الأربعين حتى أصبحت نباتات الشوك القوية تخشى مروره بقربها.
وصل إلى الحد الفاصل بين المسقى الكبير الذي ظهر قاعه لأول مرة منذ سنوات ففتح السد الصغير لتمر المياه الضعيفة إلى أرضه العطشى بعد أن أصبحت السحابات الثقيلة تمر فوق المنطقة كلها دون أن تهبهم شيئا من حملها.
عاد إلى أرضه يكاد يعد حبات المياه التي لن تكفي بالتأكيد لري زراعاته، جلس تحت شجرة التوت التقليدية يتأمل بقرته الحامل في خوف وترقب.
– لو استمر الحال هكذا لن يجد العجل الجديد طعاما، لابد من حل.
كانت قرية شمال الغدير تستعد بين العصر والمغرب لصلاة الاستسقاء التي دعا إليها الشيخ.
وصل راقي إلى المسجد فوجد الجميع في الإنتظار، صلوا وجأروا بالدعاء والاستغاثة، تعالت أصوات البكاء والنهنهة العجيبة التي أذهلت الصغار وستصبح لسنوات حكايتهم ولأبنائهم وأحفادهم أسطورة خيالية.
خرج الجميع منكسي الرأس بعد أن شاهدوا سحابة جديدة تمر دون أن تمطر.
صاح فجأة سالم:
– هذا الأمر لعنة أصابت قريتنا، هناك ذنب عظيم ارتكبه أحدنا منعنا المطر بسببه، من سيعترف الآن بذنبه؟
تبادل الجميع النظرات وبدا على بعضهم الارتباك، لكن. لم ينطق أحد، فأتبع:
– إذن سيستمر العقاب وستسود الكلاب وسيعلو صوت الضباع.
كونوا حلقة متدرجة في وسط الساحة بناءا على طلب شيخ القرية باقر، اجتمعت القرية عن بكرة أبيها، كبار الرجال والأغنياء في الحلقة الأولى، ثم تدرجت طبقيا حتى جاءت النساء في الطبقات الأخيرة، بينما تخلل الأطفال جميع الطبقات، في المنتصف جلس الشيخ سالم والشيخ باقر على منضدة مربعة أمامها مقعد قديم وحيد. ثم تحدث باقر:
– سنجري محاكمة عادلة لكل فرد من أفراد القرية، من يعترف بذنبه يوفر على نفسه وعلينا الإحراج ويعطي الفرصة لزوال الغمة، وإلا سنطلب من كل من يعرف شيئا أن يتحدث، سنبدأ بالكبار، ندعو السيد راشد كبير عائلة البنداري.
كان في الصف الأول، يرتدي عباءة فاخرة وحذاءا لم تراه القرية من قبل. سار معه ابنه ناصر مشهرا بندقية آلية وهو ينظر إلى الجميع بتحد وكبرياء حتى وصل إلى المقعد وجلس عليه.
– لا ذنب لنا يا شيخ باقر، نحن من بنينا المسجد ووسعنا الطرقات وأعطينا من أرضنا تبرعا لبناء المدرسة. كل ما نفعله مغفور مقبول.
– شيخ سالم: نصبت من نفسك إلاها يا سيد راشد، تقبل العمل وتغفر لمن تشاء؟!
– نحن نعمل يا شيخ، والعمل عنوان العامل، ولكل عمل عملناه مستفيدون جمعيون يدعون لمن تبرع وبنى، وعلى هذا نقول ما نقول ولا فخر.
– تمنون على الناس عطاياكم والمال مال الله والأرض أرضه يورثها من يشاء؟!
– لم يجبرنا أحد على العطاء، هو تقرب ورجاء.
– بل هو من وكبرياء، توبوا إلى الله يا شيخ راشد، الغرور يقتل العمل والمن يفسده.
– قام صبحي احد صغار المزارعين صائحا: ولكنك استوليت على جميع الطرق الصغيرة بين الأراضي بما يزيد كثيرا على ما تبرعت به وجعلت تنقلاتنا صعبة جدا ونسير حتى أطراف الزمام لندخل إلى أرضنا.
فوجئ الجميع بابن راشد يطلق أعيرة نارية في الهواء وهو يصيح:
– الفخر لنا شئتم أم أبيتم، ونحن أسيادكم.
تعالت الهمهمات المتعجبة، لكن أسكتها كف عنيف نزل على وجه الفتى من والده:
– أيها الغبي، إذا ماتوا متنا، ولا فخر لنا في أرض عطشى، نتوب حتى تزول الغمة.
أطلقت النساء زغاريد فرح وصفق الرجال في فرحة وإعجاب.
طلب الشيخ باقر كبير عائلة الساعي السيد موافي، رغم سنوات عمره التي تعدت السبعين، إلا أنه دخل واثقا من نفسه وفي يده بندقية صيد معدلة، جلس متأففا وتحدث مباشرة:
– في بيتنا عمودية القرية من الأجداد وضيافتنا مفتوحة لمن شاء من العباد وطعامنا لا ينفذ ليلا أو نهارا. أرضنا ومصنعنا مفتوح لكل أهل القرية والقرى المجاورة، الحكمة في بيتنا والمجد في أهلنا وبناتنا رجال قبل أولادنا، فلا ذنب لنا ولا تجاوز عندنا.
– صاحت أم المجنون سرحان:
– كاذب ظالم، سرق جدكم الحكم من بيتنا وتزوجتم رغما عنا نساءنا لتنالوا الشرعية وورثتم أرضنا بعد أن قتلتم رجالنا وكل ما تملكونه من دماءنا.
ساد الهرج والمرج من جديد وأطلق الشيخ موافي أعيرة في الهواء وهو يلعن التاريخ ويكذب الحكايات. لكنه رضخ في النهاية داعيا من عنده دليل أن يحضره وسوف ينظر فيه.
دخل الرجال خلف بعضهم يقرون بذنوبهم الصغيرة، هذا سرق ثمار هذا وذلك تسبب في هدم جدار جاره وهكذا حتى انتهى الرجال.
ثم دخلت النساء تقر بكيدها ومكرها وغضبها حتى وصلت زوجة الفلاح قاسي فاعترفت بإغوائها عن طريق الشيخ باقر وأن أكبر أبنائها في الحقيقة هو ابنه.
صمت الجميع، كانت المفاجأة كالصاعقة لم يعيها أحد.
– لكن المجنون صرخ: كاذبة. كاذبة. أنا رأيتك في كل البيوت
صرخت فيه أنه كاذب مجنون. لكن الجميع انتبه على صوت عيار ناري انطلق في صدر الشيخ باقر، اكتملت الصدمة بعيار آخر في رأس الزوجة الخائنة. كان القاتل زوجها وهو يصرخ:
– انتقمت لشرفي.
صاح الشيخ سالم:
– لو كان حقا ستزول اللعنة، لو كان كذبا فالويل لنا ولمن سلطها علينا.
انفض الجمع مع سدول الليل، انتظر الجميع في بيته ما سيحدث. لم يخرج أحد في اليوم التالي، لكنهم لاحظوا انخفات ضوء الشمس شيئا فشيئا حتى اختفى في وسط النهار، سحابة عظيمة لم يشهدوا مثلها من قبل، بدأ المطر الخفيف، هلل الجميع وخرجوا فرحين يستبشرون، ازدادت حدة المطر، دخلوا بيوتهم يترقبون، ازداد المطر شدة. خرج الشيخ سالم مارا على كل البيوت وهو يصرخ:
– اجأروا بالدعاء، تبتلوا، استغفروا، اطلبوا الرحمة، لقد كذبنا جميعا، الويل لنا.
ازداد المطر حدة حتى تحول إلى صاعقة عظيمة. اقتلعت الرياح كل بنيان واهن. تغيرت معالم الطرق والبيوت.
استمر الحال يوما بليلة، حتى عاد ضوء الشمس تدريجيا .
خرج راقي يتفقد معالم قريته، كل شيء تغير، جففت الرياح آثار المطر، هدمت العواصف البيوت العالية، لم تبقى شجرة في مكانها. احترقت بيوت الأكابر، والأعجب، لم تتبقى نقطة ماء واحدة في المساقي، والأرض قد تشققت حتى شابهت قدميه.

السابق
مسافات
التالي
هجير

اترك تعليقاً

*