قراءات

الحب والوطن في نص “قلبان في القفص”

للكاتبة نجاة قيشو

نص القصة على مجلة قصيرة من هنا

مقدمة
بعد قراءتي للقصة، ومن خلال شخصية إيميلي تذكرت أصدقاء الثورة الجزائرية من الفرنسيين، الذي آمنوا بعدالة القضية، جنود، سياسيون، محامون، مثقفون، وأطباء، من بينهم آني ستاينر التي التحقت بالثورة، وسجنت عدة مرات بسجن سركاجي الذي أعتقل فيه العديد من الثوار الجزائريين، لكن إيمانها بالقضية جعلها تفتخر بالتحاقها بالثورة و تعبر عن رفضها لممارسات المستعمر. الآلاف من أمثال آني ستاينر ساروا في طريقها ولا زال التاريخ يحتفظ بأسمائهم كموريس أودان، الذي اختطف وعذّب حتى الموت، وهنري مايو و المناضل ‘’فرنان ايفتون” الذي وضع قنبلة في محطة الغاز بالحامة في العاصمة، و فليكس كويوزي، روبرتو مونيز، بيير شولي وما يقارب 1073 جندي فرنسي التحق بالجبال.

العنوان:
قلبان في القفص، عنوان قد يشترك في مفهومه كل القراء على أنه لقصة عاطفية، لكن رغم ذلك فهو يثير في القارئ الكثير من التساؤلات التي تحفز على قراءة النص واستكشاف أحداثه، ما المقصود بالقفص؟، هل هو القفص الذهبي أم سجن أم ماذا؟، ما طبيعة هذا اللقاء؟ وما حقيقة الأحداث التي أوصلت هذين القلبين إلى هذا القفص؟. العنوان جميل ومحفز على القراءة، فهل وفق الكاتب حقا في إسقاط هذا العنوان على أحداث القصة ؟.

الفكرة:
نص القصة تاريخي، وترتكز فكرة النص على قصة عمر المقاوم الذي اعتقل في إحدى المعارك، تعرفت عليه إيميلي في السجن، طبيبة حسناء من حسناوات المستعمر، التقت أحاسيسهما وتطور الأمر من العاطفة إلى علاقة حب، دفعت بإيميلي إلى تهريب عمر من السجن بعد أن تأكدت من قرب تنفيذ الإعدام في حقه، ففكرة النص لا تبدو مبتكرة فأي قارئ ستذهب به الذاكرة إلى قصة شبيهة قرأها هنا أو هناك أو شاهد أحداثها في فيلم ما؟، وما المانع أن يقبض الكاتب قبضة من أثر الاقتباس؟ لا مانع، ولكن عليه أن ينبذها بلمسة إبداعية في أحداث غير متوقعة ومبتكرة، فهل وفقت الكاتبة في ذلك؟.

الشخصيات، المكان والزمان
القصة تاريخية، حضرت بشخصياتها المختلفة، توماس عقيد الاحتلال، عمر المقاوم و إيميلي الطبيبة، غير أن كل قارئ للنص سيطرح الكثير من الأسئلة، عن أي مستعمر تتحدث الكاتبة، وعن أي مقاومة؟، الكاتبة لم تتحدث مباشرة عن اسم المستعمر بصريح العبارة، بل كانت جنسيته مدسوسة ما بين السطور، (….خرجت الكلمات العربية من لسانها الفرنسي متلعثمة ملتوية….)، (….وتهادى إلى سمعها صوت الرقيب توماس و هو يحادث أحدهم بدا من لكنته الفرنسية المتلعثمة وطريقته المطيعة المتذللة أنه أحد ”البياعة”….)، وهو ما يشير إلى أن المستعمر فرنسي، ومن يصل إلى هذا الاستنتاج سيعجز من خلال النص عن معرفة البلد المستعمر، هناك من قد يبحث في أصل الكاتبة وهي زميلة من المغرب الشقيق، فربما سيقول أن الكاتبة تقصد الاستعمار الفرنسي للمغرب، ولكن ليس بالضرورة أن يكتب القاص قصة حدثت في وطنه، قد أكون جزائريا وأكتب أحداث تاريخية وقعت في العراق مثلا. “عمر” المقاوم من يكون؟، هل هو تونسي، أم جزائري، أم مغربي، أو سوري أم عراقي، أم موريتاني؟. أما الذي فاته ما كتب بين السطور سيحاول أن يبحث عن جنسية المستعمر من خلال الأسماء، لكنه سيتيه فعلا بين أصل إسم “توماس” الانجليزي، الفرنسي، والصهيونين وسيتيه أكثر ان بحث عن جنسية عمر بعدها.
كان من الجميل والمؤثر أن نسمع هتافات المقاوم عمر وهو يهتف بوطنه خلال ساعات التعذيب، فهي مواقف تجعل القارئ يتأثر بل ويحس بالقشعريرة ويعيش بعضا مما عاشه الأجداد. الكاتبة تركت فراغا كبيرا في القصة، وقارئا شارد الذهن مع مجموعة من التساؤلات.

السرد:
الكلب .. يجرجر الى السجن:
بدأت الكاتبة قصتها بسرد الظروف التي أحاطت بثاني هجوم للمقاومة على ثكنة المستعمر، هو الهجوم الثاني بعد هجوم سابق، طبعا وليس الهجوم الأخير فالمقاومة لن تمل ولن تكل من الهجوم حتى تخرج المستعمر من البلد، كما وصفت الكاتبة حيثيات المعركة التي طارت فيها الرؤوس وتناثرت فيها الجثث، المعركة التي انتهت حسب الكاتبة بانتصار المستعمر في المعركة، غير أن الكاتبة وظفت مصلح “فرار” في وصف انسحاب جنود المقاومة (…. فقد لاذوا بالفرار إلا عمر …)، وهو وصف يوظف في مواقف الصعلكة واللصوصية والجبن، وكان الأفضل وصف اللحظة بالانسحاب التكتيكي أو الاستراتيجي. الجميع انسحب إلا عمر ذلك الشاب الثلاثيني الذي وقع في الأسر (… فاستسلم فجروه كالكلب ….)، وصف الكلب في غير محله ولا يليق بشاب مقاوم وقع في الأسر بعد معركة ضروس، وهو وصف مباح أن يستخدمه كاتب يقف إلى جانب المستعمر فهذا المقاوم في ميزانه إرهابي وخارج عن القانون، وكان حري بكاتب مؤيد للمقاومة أن يصف المقاوم هو يساق إلى الأسر بالأسد الجريح مثلا.

القلب الثاني يدخل الى القفص:
بدأت جلسات التعذيب بعد جلسة حوار ماكرة وفاشلة، فعمر المقاوم حمل السلاح ليفتدي الوطن وأنى للإغراء والتهديد أن ينال من عزيمته وإرادته، وخارت قواه ولكن العقيد توماس اعتقد أنه سيستسلم في النهاية، وأذن بعلاجه أملا في أن يفتك اعترافا منه في جلسات مقبلة، جلسات العلاج التي أشرفت عليها الطبيبة الحسناء ايميلي، والتي تكونت بينها وبينها عمر مشاعر وخواطر تطورت إلى حب بعد جلسات علاج متكررة، غير أن الأمر لم يكن ليحاكي المنطق من ثلاثة أوجه:
– الأول أن الكاتبة لم توضح بدقة ما الذي جعل تلك الحسناء الفاتنة تقع في حب عمر، ما الذي ميزه دون بقية الأسرى الذين كانت تعالجهم يوميا؟، فالقول بأن صبره على العذاب وثباته على الموقف ما أثأر انتباهها غير كاف لأنه ميزة أغلب المقاومين في الأسر الذين كانت تشرف على علاجهم باستمرار.
– الثاني أن الجميع يعرف كيف يخرج الأسير من جلسات التعذيب، جسم منهك وجروح بليغة بالكاد أن ترى العين ما يحيط بها أو تستطيع الأذن أن تميز الصوت، فكيف لهذا الجسد المنهار أن يجد الطاقة ليرى ويسمع ويقع في الحب.
– الثالث أن العلاقة لم تبدأ قوية من أول نظرة، فكل امرأة لها رسم معين في خاطرها حول فارس الأحلام، ويحصل الانجذاب والميول القوي من أول لقاء، لأن الصورة التي رسمتها في مخيلتها طويلا وكأنها مجسدة أمامها، لكن ما حصل في أحداث القصة أن البداية كانت مجرد شفقة ورأفة على مخلوق ضعيف جر كالكلب إلى الأسر، وان تطور شعور امرأة كانت بدايته شفقة سينتهي بتقديم المساعدة على أكثر تقدير. (… وصار قلبها يدق دقات عنيفة متسارعة كلما حطت رحالها بزنزانته، فذاك المخلوق الضعيف المنهك على الأرض تجده في ضعفه أقوى من كل الرجال، تحول ذاك الشعور بالرأفة والشفقة إلى شعور غريب أضحى ينمو بداخلها شيئا فشيئا ليتحول إلى حب وشغف …). تطورت العلاقة إلى عناق وحضن وقبل (… وهرعت إلى عمر وبقوة لفته بذراعيها الناعمتين.. )، (…يتعانقان ويبوحان بالمكنون…)، (…. حين شعر بشفتيها وهي تطبع قبلة حارة على خده…)، وجميعها مشاهد سينمائية مبالغ فيها لعلاقة لم تبدأ قوية لتنتهي بكل هذا الفيض من المشاعر. هنا أيضا كنت أتمنى لو أبرزت الكاتبة أخلاق المقاومين، عمر مقاوم عربي مسلم، بصريح العبارة هو مجاهد في سبيل الله، وكل ذلك اللف والعناق والأحضان والقبل هي محرمة في عرف الدين من إمرأة لا تحل له، كان من الجميل القول أن عمر وقع في حب إيميلي، لكن تربيته لم تسمح له بلمسها.

قفص لكل قلب:
نهاية القصة بدأت بعد تلقي عمر لخبر تأهب المستعمر على تمشيط الجبل الذي تختبئ فيه كتائب المقاومة، بعد أن دلهم أحد الخونة على المكان، وتمكن إيميلي من مساعدته بعد تخديرها للحارس والهرب من خلال أنفاق مظلمة أدت إلى تلال حيث لا جنود ولا حراسة. طريقة الهرب هي أسهل طريقة فكرت فيها الكاتبة وان كانت بتلك الطريقة من المستحيلات ولها من إمكانية النجاح واحد بعد بضعة أصفار من المائة، في ثكنة عسكرية تحيط مخاطر هجمات المقاومة وتحوي في كل زاوية من زواياها حارسا يحسرها طيلة النهار.
كل من يتتبع أحداث القصة سيصل حتما إلى نهاية غير متوقعة، فإيميلي لا يمكنها أن ترافق عمر إلى الجبل (…. مودعة تعلن عن نهاية الرحلة فلا يمكنها أن ترافقه…)، ولكن إلى أين؟ العودة إلى الثكنة يعني الموت، والهرب يعني أنها ستعيش حياة التشرد فأينما تولي وجهها ستجد صورة لها موضع بحث أو جائزة، وحتى عمر لم يشأ اصطحابها (…. وهو يدري أنه لا يمكن أن يصطحبها معه فأمامه قضية تحتم عليه المضي وحده، ووطن ينتظره ..) وليس هناك ما يمنع، بهذه الصورة التضحية كانت من جانب واحد، إيميلي ضحت بنفسها وبمستقبلها وبوطنيتها من أجله، فيما توارى عمر وراء التلال تاركا حبيبته المناضلة الحسناء الفاتنة بين فكي المجهول تصارع مصيرها لوحدها.

الرمز:
من خلال تسلسل الأحداث برزت إيميلي في نهاية القصة كرمز للقضية والتضحية، وافتكت كل النجومية من عمر، فرغم حبها لوطنها (…ٱثارت حالته المزرية الثورة بداخلها على هذه القسوة، لكن وطنيتها منعتها من التعبير عن استنكارها لهذه المعاملة…)، إلى أنها آمنت بعدالة قضيته (….ينكسر جزء من صورة وطنها التي رسمت ورسخت في ذهنها منذ الصغر، وتكونت لديها قناعة بقداسة هدفه و مصداقية قضيته….)، (…عمر أنا أومن بقضيتك و أومن بك ….) وأخبرته بما يحاك ضده (….سيقتلونك….)، وأخبرته بما يحاك ضد المقاومة (……..يريدون استكشاف سفح الجبل….)، وساعدته على الهرب لينجو بجلده ويخبر المقاومة بما يحاك ضدها (….تناولت المفاتيح بسرعة و خرج الاثنان ممسكان بيدي بعضهما، يجريان عبر مسارب ضيقة و مظلمة إلى أن انتهى يهما المطاف إلى نافذة تطل على التلال حيث لا جنود و لا حراسة….)، أوصلته إلى بر النجاة وبقيت لوحدها لمصيرها المجهول (….رحل عمر و توقفت إيميلي ترقبه و هو يتوارى وراء التلال….).

ختاما
توارى عمر وراء التلال هاربا من سجن الثكنة إلى حرية الجبل، وانطلق في الأخير كل قلب إلى قفصه، وإجابة عن أول سؤال طرحناه في بداية المقال حول العنوان المختار والذي يمكن أن نسقطه على عقدة القصة، غير أنه غير معبر عن نهايتها، ولو يمنح لي الاختيار لإخترت “إيميلي” كعنوان لها. أما بالنسبة للأحداث فيبدو أن الكاتبة حبست نفسها في الصورة الخيالية التي رسمت فيها أحداث قصتها، ويظهر الأثر الواضح بتأثرها من بعض القصص والأفلام التلفزيونية والسينمائية، وثقب بسيط في الصورة كان بالإمكان أن يفي بالأكسجين اللازم لصناعة أحداث غير متوقعة ومبتكرة. سقوط المكان والزمان من النص أثر سلبا على نسيجه وترك فراغا في ذهنية القارئ. الفكرة جميلة لكنها تتطلب الكثير من العمل لطرح قضايا هامة مثل الوطن، والحب والتضحية، وفرصة لتثمين بعض القيم الاجتماعية والإنسانية.

يحيى أوهيبة

مؤسس مجلة قصيرة.

السابق
مهاجر
التالي
خاتم الحكمة..

تعليق واحد

أضف تعليقا ←

  1. محسن الطوخى قال:

    دراسة وافية ومستفيضة.برع صديقى يحيى فى عرض الموضوع من جميع زواياه . وتناول بموضوعية نواحى القوة التى ميزت القصة , كاختيار الموضوع , وأن أغفل القاء الضوء على اللغة المتميزة , وأسلوب السرد التلقائى المتدفق , كذلك أجاد صديقى العزيز عرض نواحى القصور فى القصة والمتمثلة فى عدم منطقية علاقة الحب التى نشأت بين الأسير العربى والطبيبة الفرنسية , وبين بوضوح أسباب عدم منطقيتها من كلا الطرفين , اضافة الى عدم توفيق الكاتبة فى وصف الأسير بالكلب الأمر الذى كان يبدوا مقبولا لو أن الوصف ورد على لسان أحد المستعمرين . وأفادتنى الخلفية التاريخية التى وردت فى المقدمة . تحياتى لصديقى العزيز لقدرتة الفائقة على الإحاطة بالموضوع . وتحياتى للكاتبة القديرة نجاة قيشو .

اترك تعليقاً

*