القصة القصيرة جدا

الحصيلة صفر

العم ‘مواس’ كهل في خريف العمر، كل عالمه مفقود: الزمان، المكان، الهوية، الجنسية، أوراقه الثبوتية، أمواله، أولاده..لم يبق له من الدنيا سوى جسد صامد لا ينحني، وذاكرة كجذوة متقدة تحت الرماد. لمحه زميل له في العمل يتسكع ليلا، بجوار سور (كمبوند) يضم أرقى التجمعات السكنية بإحدى المدن الجديدة، فأبلغ عنه، وكانت السرقات منتشرة، تحت وطأة الظروف الاقتصادية السيئة والغلاء المتفشي، أمام المسئول مسح الرجل دموعه بطرف ثوبه، وتغلب على نشيجه ليروي قصته: لقد فر من قرية ظالم أهلها، ليستقر به المقام ‘نحاتا’ باليومية لدى أحد المقاولين، يزيل المباني المعدلة هندسيا، يشذب الجدر الناتئة، وينحف البروزات المترهلة ويكسر الأعمدة والسلالم غير المرغوب فيها. حتى إذا جن الليل، أوى إلى رصيف أسفل السور، فتمدد عليه إلى الصباح، مفترشا الوحدة وملتحفا بالذكريات. شب في مدينة سياحية بالجنوب، فانطلق لسانه بعدة لغات، وصار السياح يطلبونه، لمرافقتهم في جولاتهم في المناطق الأثرية، ويصيبون من معلوماته الغزيرة، وثقافته المدهشة، يلتقطون معه الصور التذكارية، يوقع لهم في مذكراتهم، ويغدقون عليه بالدولارات، ويتبادلون معه الهدايا. فلما انتكست السياحة، ونضب معينها، هاجر إلى بعض الموانئ، وتقلب في أعمال عديدة، إلى أن واتته الفرصة، فتسلل إلى إحدى البواخر الأجنبية الراسية للتزود بالوقود، فلم يفطنوا إليه إلا في عرض المحيط، ساقوه مكبلا إلى قمرة القبطان، استجوبه وتوجس منه خيفة، فلما اطمأن أنه ليس عينا لعدو، بدا له أن يستعبده بالسخرة، بعد شهر من مراقبته أنس إليه، وتراجع عن فكرة تسليمه للسلطات عند أول مرفأ، بل استخرج له أوراقا رسمية، وألحقه بالطاقم باعتباره ناجيا من إحدى السفن الغارقة، ظل يجوب البحار معهم عشر سنوات، كون خلالها ثروة كبيرة، فلما رست السفينة في بلده نزل منها ولم يعد. لا تسل عن فرحة أهله بعودته، بعد أن احتسبوه عند الله، بعد أشهر زفوا إليه فتاة جميلة حسيبة نسيبة، رزق منها بأربعة أبناء، ومكث أعواما يتاجر في بضائع شتى، وتجارته في اتساع مضطرد، والدنيا مقبلة عليه، وبعد ابتسامة لم تدم طويلا عادت إلى العبوس، فودع أهله مرغما وعاد إلى السفر، مخر عباب البحر وتقاذفته الأمواج من بلد لآخر، ذاق الأمرين وتحمل سوء المعاملة. يعود إليهم كل عامين محملا بالخيرات، ليهنأ أياما معدودات بفراش دافئ وطعام سائغ، ثم يواصل رحلات سندباد راضيا بالكفاف ليحول كل مدخراته لأولاده. مات أبواه وتفرق إخوته بعد أن باعوا الميراث. بنى منزلا كبيرا انتقل إليه أولاده، واشترى آخر لنفسه وزوجه، سبقته الزوجة إلى لقاء ربها، ودب الوهن إلى عظمه واشتعل رأسه شيبا، جمع فلذات كبده الأربعة: الطبيب والمحامي والمهندس والدكتور الجامعي، وفاتحهم في رغبته في الزواج، فرموه عن قوس واحدة، يوم عقد قرانه تسلم إخطارا بدعوى للحجر عليه.

السابق
أمل
التالي
حِدادٌ

اترك تعليقاً

*