القصة القصيرة

الحلال والحرام

تأملها وهي على راحة يده.. فقط عشرة قروش، يمسك بها ويضغط عليها بقوة وفكره مشغول. ما الذي كان سيحدث إن لم يجدها؟ سيحدث الكثير! أهذا لايعني أنه سيحدث الكثير الآن؟ ظل يتقلب على فراشه، ونفسه تتوق إلى الراحة، أن يخلد للنوم ولو قليلًا وأفكاره تطرد النعاس من جفنيه، يحاول أن يجد مبررًا يقنع به ذاته والآخرين، فهو على حق دائمًا طالما أن واحد زائد واحد يساوي اثنين.
– أبوجلااال
هكذا نادته زوجته وهي في غفوتها وأنفاسها تنخفض.
– إنتَ نائم؟
– نعم يا أم جلال
– طيب نام يا أخويا
وبدأتْ أنفاسها تعلو وتهبط في انتظام.
عبدالهادي الجزولي وكنيته أبوجلال واحد من الذين لفظتهم الوظيفة الحكومية بحجة تدهور صحته أو هذا ما جاء في تقرير لجنة المراجعة السنوية.. مجابهته لتفشي الفساد في الخدمة المدنية كانت وراء فصله من منصبه، واكتفى بما منحته له الدولة من معاش ضئيل، لايكاد يكفيه مع زوجته لشراء ضرورات الحياة، بعد استقلال كل من ولديه بحياته الخاصة، جلال الذي هاجر إلى كندا وظل يرسل إليه من الحين للآخر مبلغًا من المال لإعانته، وسامي الذي تزوج بعد تخرجه من الجامعة، ثم ألهته الحياة مع زوجته. كان عبدالهادي الجزولي قانعًا بما قدمه لأسرته الصغيرة.
يولي القطعة المعدنية كل اهتمامه ويتساءل ماذا كان سيفعل بها صاحبها؟
ليتهم تفقدوا خاصتهم، قبل أن ينفض مجلسهم، علَّ شيئًا مهمًا قد قفز من جيب أحدهم.
السؤال الذي لم يفارقه طوال الليل.. لمن تكون ملكيتها؟ أحمد الثري الذي إن قال له لك عشرة قروش عندي، سخر منه ومن فكره ونعته بالمهووس، أم هي خاصة زميلهما يوسف المتعجرف، الذي إن سأله سينظر إليه بازدراء ثم يقول: أيوجد من يتحدث عن عشرة قروش هذه الأيام؟ حتى الأطفال صاروا أيضًا ممن لايرضون بها. وربما زاد من عجرفته وأسهب في الشرح والتفصيل ولعن الحكومة وتدهور الاقتصاد وزاد من اتهامه له، بأنه يعقد الأمور ويعمل من (الحبة قبة). عشرة قروش! ماذا سيفعل بها؟ والحق يجب أن يرجع لأصحابه. قديمًا قيل أن أحدهم عثر على قرش من فضة وبعدها صار من الأغنياء الذين يتحكمون في اقتصاد البلاد! ولايعلم أصله أحد، إن كان طيبًا أو مُرّاً علقمًا، ولكن ماله تنامى وزاد وصار من أصحاب الشركات. وقيل أن جنيّة منحته إياه وقالت له إن أردت الغنى عليك بالاحتفاظ به وإن أضعته ضاعت حياتك وعشت حياتك فقيرًا تسأل الناس لحافا_ والحياة حظوظ. رنّتْ الجملة الأخيرة في عقله وتخيل نفسه وقد أصبح من الأغنياء، ولكن ثمة خاطر طاف بذهنه أي من صاحبيه ماله طيب؟!
مواء القطة يأتيه من خلف النافذة المغلقة.. مياااو، مياااو.. كأنما تقول افتح لأدخل فالبرد قارس بالخارج وكومة اللحم إلى جواره تقول:
أبوجلال إنت نمتَ؟ هِش على القطة
وتعاود أنفاسها الانتظام
تزوج أبوجلال كشأن معظم أبناء جيله الذين لايعرفون عن الزوجة غير أنها واحدة من الأقرباء، لابد أن يكون اسمها مقروناً باسم الزوج سواء من ناحية الأب أو الأم ولأن أم جلال ابنة عمه كان هذا هو المحمل الذي
يدفع بسفينة الأسرة دون أن تتوقف أمام صروف الدهر.
هجدتْ القطة.. فكانت هي الروح الثالثة التي يضمها سقف المنزل!. الأنفاس التي تتصاعد وتنخفض في انتظام لم تكن هذه المرّة هي تلك الأنفاس التي نعرفها، لأن أم جلال تجلس على السرير وهي تربط الإشارب على رأسها، وتناديه:
– أبوجلال
لم يرد
– يا أبوجلال، ولم يرد عليها.. وتهزّه من كتفه.. أنفاسه تتصاعد في انتظام
– أبوجلااال
يهمس بصوت متقطع:
– القطة؟
– الصلاة
نهض متثاقلًا كغير عادته، وهو يتحسس مافي جيبه، ويشرع في استقبال يوم جديد! عندما تعثر في مشيته وهو في طريقه إلى المسجد ظن أن الأمر نذير شؤم يتعلق بالعشرة قروش، تحوقل وتبسمل من همزات الشياطين.. بعد أدائه لصلاة الفجر، وقف الإمام يخطب “إن كان لدى أحدكم شيء لا يخصه، عليه أن يرده لصاحبه.” توجس في نفسه كأنما هو المقصود بالنصيحة، فأوشك أن يسأل الإمام:
– حتى إن كانت عشرة قروش؟
أرسل في طلب صاحبيه، فأتياه على عجل، كلاهما يحث الآخر على الوصول، علَّ الأمر جلل، عندما دخلا عليه وقف متكدرًا، وأحسّا في نبرات صوته توترًا، ضم يده على القطعة المعدنية، و رفع سبابته في وجهيهما قائلًا:
– إن كان لأحدكما عندي قطعة من نار فليطفئها.

كاتب سيناريو، و مصور تلفزيوني.

السابق
زَوال
التالي
مثالي

اترك تعليقاً

*