القصة القصيرة جدا

الحَصِيدَةٌ

لم يدرِ من أي جهة يأتي هذا الصوت؟.
فمنذ أن غادرت “هَنا” زوجته الدار وولُدها، وتركته وحيداً يتجرع كؤوس الرجولة منفرداً… عندما شج لها الرأس لتأخرها في تقديم وجبة العشاء؛ بعد تمضية يوم حافل تحت نيران الشمس القائظة في جمع محصول البامية، ومدي ما لاقاه من جاره في الأرض، وأولاده الخمسة.
كلما حصد خط بجانب الحد الفاصل بينه وبين الجار، قبل أن تغرقه مياه الري؛ يزيد الابن الأكبر من سرعة ماكينة الري… حتى انقسم ظهره، وتورمت قدماه من الوحل.
بحث في الأماكن التي يمكن أن ينفذ منها الصوت… وجدها جميعا مسدودة… لم يخطر على باله أن داره تقع على رأس الكوبري محل سوق الخضار الدائم بالقرية، وأنه لا محالة من وصول الصوت إليه.
لعن التطور وانتقال البلاد إلى الإقتصاد الريعي، حاول مسايرة الجميع، وإغلاق بابه عليه؛ غير أنه مثل عامة الناس في بلاده؛ لم يفرط في رجولته البتة.
عندما ذهب إلى فراشه لم يكف عن التأوه، كل ما يخطر على باله “هَنا” وولده… يتراجع بسرعة ويزيد السب واللعن على (عبده) والاولاد الخمسة، وأن ما به من جراء غيظهم وحسدهم… يصمت مكرهاً… يجتر قول جده الأكبر “الرجال لا تبكي”.. وسط دموعه الهابطة غصباً.. يتذكر مقولة زوجته أثناء الحوار الذي كان يسبق العاصفة “الحرة تموت ولا تأكل بثديها” يعتدل.. يجلس القرفصاء.. يجهد نفسه في محاولة معرفة السبب وراء ذكرها هذه الحكمة، وماذا كانت تعني؟
توقف عن التفكير في الموضوع.. عندما علم أنه لابد أن يذهب إلى جاره يستأنس برأيه الصائب.. مغبة أن يفهم أن ذهابه في هذه الساعة ما هو إلا للتدخل في الصلح بينه وبين زوجته؟ وهذا ما يرفضه.. أحجم.
غاب عن عينيه سلطان النوم..كما غابت النجوم الساهرة مع شقشقة النهار، مع صياح الديكة كان يقدم قدما ويؤخر الأخري يطرق باب حماه.. مخافة أن تُهدر كرامته كما فعلت الحكومات المتعاقبة من قبل، ولكن الله سلم.

السابق
ثمن
التالي
لوعة

اترك تعليقاً

*