قصة الطفل

الحُلم الصغير..

بَعيْداً عَن صخبِ المدينةِ.. إِختارت عائلة أَحَمَد العيش بقريةٍ نائيةٍ..توافرتِ فيْها سُبُلَ الحياةِ الضرويةِ..الْجِدُ والإلتِزامُ طابِع سُكانِها الْذين لم يتجاوز عَدَدُهُم المِئة ألف نسمة!
كانَ الْصباحُ في تلك القريةِ بديعاً للغاية، لقد وهبها الله طبيعةً خلابةً ما إِنْ تَبدأ تباشيرُ فجرِها بالإنبلاجِ حتى تَتَسللُ روائحُ الزيزفون الجبلي مِنْ كافةِ أَطرافِها.. أَما عَن مساؤها فكان مائِلاً للبرودةِ.. تُرافِقهُ أنفاسُ ندى الأشجارِ الكثيفةِ والمُتراصةِ على طولِ الشوارِعِ الممتدةِ إِليها!
وَسَطَ هذا الجمال الإلهي، عاشَ أَحَمد هانِئ البالِ، هادئَ الطِباع، أَنهَى الْمرحَلةَ الإبتدائيةِ بنجاحٍ وتميزٍ، لِيبدأَ مرحلةً جديدةً مِن حياتهِ، فانتسبَ إلى الْمدرسةِ الْزراعيةِ ليُساعِدَ والدهُ في إدارةِ مزارِعِهم الواسعةِ..كانت المدرسةُ الزراعيةُ تبعدُ عَن القريةِ عِدة كيلو متراتٍ، والذهابُ إليها أشبهُ بالسفرِ المحفوفِ بالمخاطِرِ! شِتاءُ قريتهم قاسٍ، ومُثلجٍ، النهارُ ضبابيٌ والرؤيةُ محدودة! إلا أنَ أَحَمَد أَصَرَ على إِكمالِ دِراسَتهِ في المجالِ الزراعي..
مرت الأَيامُ.. وَحَلَ شِتاءُ القريةِ لِيبدأ الثلجُ بالهطولِ.. أَمَا أَحَمَد مازالَ مُثابِراً عَلى دَوَامِهِ المدرسي غير عابئ بمُتغيراتِ الطقسِ! ذات صباح ساكِن غطى الثلجُ فيهِ معالم قريتهِ تماماً، نَهَضَ باكِراً أَنهى صَلاة الفجرِ، وتناولَ وجبة فطورهِ، ثم إرتدى ملابِسَهُ المدرسيةِ لِيتوَجَهَ إِلى الْمدرسَةِ بِكُلِ حَذرٍ وتأني! لمْ يكد يُغلِقُ بَابَ منزِلِهم الريفي الجميل حتى بَدأَ يَشعرُ بالبرودةِ تسري في شرايينهِ لكنهُ تابعَ سَيْرهُ مُصمماً على إكمالِ مابَدَأَ بِهِ! وَ قَبلَ أَن يَقتَرِبَ مِن مدرَسَتهِ وَجَدَ نَفسَهُ أَمَامَ ساتِرٍ جَليدي.
ـ يبدو أن الثَلج لم يتوقف عن الإِنهمارِ طيلة الليلة الماضية! قالَ أَحمد في نفسهِ واِستدارَ حولهُ ليجد جميع الجهاتِ بيضاء، الشمال كما الجنوب، هل ضلَ الطريق؟
ـ لا، قال لِنفسهِ..
وتابعَ مُحاوِلاً تخطي الساتِر الثلجي، لكن عبثاً!
مرت الدقائِقُ الأولى رهيبةً، قبل أن يلمح نوراً صغيراً ينبعِثُ من سيارةٍ قادِمةٍ، إنهُ والِدهُ الذي يعلمُ بطبيعةِ القريةِ وشتائها .
فتحَ والِدُ أحمد نافذة السيارة ونادى لاِبنهِ الذي صعد إلى جوار ِ والدهِ، لينعم بدِفء الأبوة، ودِفء المكان..
ـ المدارِس في عُطلة يا أحمد، ريثما يتحسن الطقس وتهدأ العاصِفة الثلجية.. لقد تابعتُك مُنذ اِستيقاظِك هذا الصباح، كم أنا فخورٌ بك يابُني لديك إحساسٌ عالٍ بالمسؤوليةِ، تسعى لتحقيق طموحاتك بِكُل عزيمةٍ وإِصرار..
الأحلامُ يا بُني تبدأ صغيرةً ، تكبرباتساع معارِفنا، لِنتبنى أحلاماً أكبر..كما حُلمك في إتمامِ دراستك الزراعية، الذي سيتسع مع الأيام..أتمنى الوردية لآمالك على الدوام..
شقت السيارةُ طريقها إِلى مَنْزِلِ الْعائلةِ، وَسَطَ الثلوجِ التي اِزدادَ هُطولها،، بينما بقي أَحمد صامِتاً لايقو على الكلام من شدةِ تأثرهِ بكلامِ والدهِ الذي زادهُ إِصرَارَاً وعزيمة لإكمالِ تعليمهِ في المدرسةِ الزراعيةِ، فيتوسع في مزارعهم بإدارةٍ علميةٍ حديثةٍ..

السابق
لقاء
التالي
مثابَرة

اترك تعليقاً

*