القصة القصيرة

الخائن الوفي

..بعد ان رتبنا كل الاحتياطات اللازمة، اقتربنا من الزريبة، في معاكسة لاتجاه الريح، كي لايشتم الكلب اللعين رائحتنا فيقذفنا بوابل من النباح الى ان يخرج سيده متأبطا البندقية.! كانت الخطة تسير كما دُبر لها،
واحتمال النجاح في رجحان مطرد; لهذا كانت عين الذئب الاول، صاحب الخطة المحكمة، تلمع دهاءا واثقا، وهي تغمزنا، نحن الاثنين، الى الاقتراب اكثر من الزريبة حيت ترقد الغنم مجترة حصيلة نهار آخر.. كان لعابي يسيل اغزر كلما اقتربت اكثر، واقدام الجوع الهارب من احشائي تركض اسرع كلما تسللت رائحة الغنم الى خياشيمي اعمق فاعمق.. وكنت استعجل اقتحام الزريبة، وغرز نابي المتلهف في اول نعجة اصادفها.. مرت ايام طويلة ثقيلة ونحن الاربعة جوعى، حتى ضمر جسمي واصفر جلدي ووهنت ركبتي، وصرت اخشى النظر الى وجهي على مرآة الماء الصافي.! وكان لعاب آخر،مع ذلك، يسيل بين قائمتي الخلفيتين، وانا ارى الذئبة تتدلع، تتغنج، تتقلب على الارض، تتمسح، تبصبص بذيلها.. ترسل موجات من آغراء يسري كالخدر في مقاومة الكلب وشكه، ويشله رويدا رويدا، وزمجرته تخفت وتتحول، شيئا فشيئا، همسات مغتلمة.!
كانت كلمات الذئب الاول، وهو يطبق بنابه القاسي على اذني، تتردد في راسي:
– إياك ان تغفل عن العواء ينزلق من حلقك.! الليلة لن يعوي احد منا.، إلا بعد ان نرطب حلقنا بدماء الغنم.!
فكنت احذر ان ينزلق عوائي مع اللعاب المتدفق من بين انيابي المتحفزة، واقلب بصري بين الذئب الاول والثاني، فارسله الى الاول كقبضة تشد على قبضته، وامسح به الثاني كمكنسة لوم على صلابة راسه وعناد حمقه الذي كان سيتركنا نتضور جوعا، ونفقد القدرة على أخذ طريق الهجرة من هذا الصقع القاحل. الاخرق تحصن وراء شرف الذئاب، وترك الجوع كعنكبوت يسدل آخر خيوط شعه على مؤخراتنا الجافة، وزمجر في غضب قائلا:
– لايمكن ان ارى الذئبة الوحيدة التي تبقت من قطيعنا، بذرة الغد الوحيدة، تجر على طريق الذل شرفنا، وتمرغه عند اظافر ذاك الكلب الحقير..!
كشر الذئب الاول تكشرة نعرفها، نحن الاثنين ، جيدا، وزمجر بحزم ساخر:
– ..الغد..! ؟ أي غد هذا، ايها الاحمق.! ؟ الغد يبدأ من امعاء شبعانة قبل ان يُشرق مع شمس نهار آخر.! إملأ امعاءك بكل شرف تاريخ الذئاب اذن، وانتظر الغد الذي توقع فيه الشمس شهادة نفوقك.! الشرف ان لاننقرض.. ان لاننفق جوعا، بعد ان استحال هذا الصقع راسا اقرع خال من الغابة والطريدة، وانقرضت تلك القطعان من الماعز التي كانت تملأه، ولم يعد امامنا سوى الهجرة، لكن قوائمنا الضامرة لاتقوى على طول الطريق..!
زمجر الذئب الثاني معترضا:
– الافضل ان نأخذ طريق الهجرة بقوائم ضامرة، تحمل مشعلا من شرف.! وليس من الضروري ان نصل جميعنا، يكفي ان تصل الذئبة وأحدنا، لتبدأ ذرية جديدة…
قاطعه الذئب الاول محتدا، رافعا ذيله جيئة وذهابا:
– اخرق..! من الضامن ان تصل الذئبة، وهي مثلي قد بدأت تشعر بثقل حذاء العمر في قوائمها.! ؟ ماذا لو خارت قواها على الطريق، وانفتحت فوهة العقم الابدي تحت قوائمنا.! ؟ الشرف ليس شرف توقيع شهادة الانقراض.! نحن الآن في معركة نكون او لانكون بعدها، وهذا الذي تتمسك به كشرف، ليس إلا طعما في خطة، لاستدراج ذاك الكلب الحقير والانفراد بالغنم في غفلة منه.!
رد الذئب الثاني مزمجرا، ومتراجعا خطوة الى الوراء:
– لا استطيع ان ارى شرف ذئبتنا يتدنس بقوائم ذاك الكلب الحقير.! الكلب احقر حقير في الكون.. الكلب احقر خائن في الكون، واشرس متنكر لاصله.. إنه فرع من الشجرة التي ننتمي لها جميعا. إنه قريب لنا ، صار بعيدا، صار عدوا.! لقد تنكر لابناء جلدته، وفضل سلسلة تربطه الى باب سيده عبدا ينبح اصله، مقابل ان يمنحه ما فاض عن مائدته، واستل انيابه الخائنة للدفاع عن سيده، عن عبوديته، انيابه التي كانت طريق حريته في غابته الاصلية، وفضل مسح حروف قاموس العبودية بذيله على عتبة سيده، عوض جموح الغريزة الاصلية.! ونحن، الآن، نمنح الخائن شرف ان يدنس ذئبتنا. ؟
– نعم ( زمجر الذئب الاول) الكلب اوفى خائن زرعه تاريخ البشر. لكن الاهم، الآن ونحن جوعى، هي الغريزة الاصلية.. الغريزة التي تدفع، في حال انعدام الذئاب، الذئبة الى احضان الكلاب، او بالكلبة، في حال انعدام الكلاب، الى احضان الذئاب.. الغريزة التي جعلت الذئبة تغنج امامنا نحن الجوعى، هي التي يجب ان ندفع بها الى طريق ذاك الخائن كمنزلق للايقاع به، هو المربوط دائما على باب الزريبة والمحروم من متعة الركض وراء دلع كلبة.! الشرف ليس غريزة، ايها الجامد.. الشرف الآن حيلة، ايها البليد..!
تراجع الذئب الثاني الى الوراء، وتنهد:
– اللعنة على الجوع.. وعلى البشر، والكلاب.!
ومضى مستسلما، دون ان يقتنع، تاركا الذئب الاول يرتب خطته مع الذئبة، التي كانت لاتكف عن التمسح به في غنج طافح.. كنت اتلمظ لعابي اللذيذ، وانا امسد بعيني على ظهر الذئبة الدافء، دون ان انبس بكلمة، انا الاصغر بينهم، ولن يكون إلا ما يقره الذئب الاول، فجميعنا يعرف سطوته وإقدامه رغم تقدمه في السن.. كنت متحمسا للخطة، متلهفا للحم الغنم الذي نسيت آخر مرة حظيت فيها انيابي بشرف التوقيع على جلده..كنت اراقب بانفعال شديد، انسياق الكلب وراء رائحة إغراء الذئبة الطافح، موَزعا بين شعور من حسد، وآخر من لهفة متسارعة لاقتحام الزريبة..! لكن باب الدار انفتح، فجأة. وأنار مصباح قوي. فانقلب الكلب على غريزته، واشهر نباحه عربون طاعة امام سيده، وانقض على الذئبة، مفضلا إغراء العبودية على إغراء الغريزة.! انشق الفضاء، وانطلقت النار من فوهة البندقية.. فأسلمت قوائمي للهرب.. وانطلقت لا ألوي على شيء.. ولم أعو..!

السابق
غرور
التالي
ملاذ

اترك تعليقاً

*