القصة القصيرة جدا

الخروج على النص

أمواج الفرح الصاخب تزلزل جدران المندرة التي تعج بشيوخ شواربهم ترنو للسماء في شموخ وسيادة، جاءوا متسابقين لتقديم التهنئة لشيخ قريتنا في زفاف نجلته الوحيدة.
لم يكن صعبا على مربي يحظى باحترام الجميع مثلي أن يصل لصدر المجلس، ما كادت يدي تصل ليد والد العروس للمصافحة والتهنئة حتى غطى الصراخ والعويل على صوت الزغاريد والأغاني المنبعثة من مكبرات الصوت، هب الجميع ليقفوا على المصدر، فامتدت يد الفوضى لتطفئ مصابيح العقل وتشعل فتيل غضب سرعان ما سرت نيرانه من جسد لجسد.
الرجل المكلوم في آلاف الجنيهات التي دفعها لتجهيز ابنته وفرحها أخذته حالة من الذهول وهو لا يعرف ما سر صراخ زوجته.
بالكاد تبدو رأس العريس في أمواج الزحام، منتفخ الأوداج وأذنه القانية قد وضع الشيخ عبد الحفيظ فمه فيها، شققت الأمواج لأدس أنفي بين الفم والأذن ” الشيخ حسان الحقود يريد أن يفسد فرحك “، كان عايز عروستك لابنه؛ وشيخ البلد طردهم شر طردة، ومن يومها وهو ناوي على نية سودا ”
شعر الشيخ بأنفاسي بين فمه وأذن العريس فصاح يا عالم يا هووووه أنا قلت إن حسان لا يصلح أن يكون مأذونا للبلد، المأذونية طول عمرها في بيتنا واحنا بيت يعرف ربنا، لاحول ولا قوة إلا بالله.
أمسكت بيد العريس صارخا: اهدأ يا بنيّ وفهمني إيه اللي حصل؟
بين صدغين ممتلئين شحما تتدليان بصورة تجبرك على قرصهما أو مناغاتهما حرّك بصعوبة لسانا محشورا بينهما واستجمع كلمات تاهت في لغده: لقد اتصل بي الشيخ حسان من دقائق وقال لي: اتجه لوالد العروس وهو بين المدعوين واطلب منه أن يقول لك : زوجتك ابنتي وقل له : قبلت ، وبذلك تصير ابنته زوجتك، ثم أرسل لي على مهل بطاقتك وبطاقتها وأي اثنين من الحضور كشهود.
قلت له: يا شيخ هو فيه جواز بدون مأذون يجلس ويضع يد العريس في يد والد العروس وفوقهما منديل أبيض ويدعو لهما بالرفاء والبنين على مذهب أبي حنيفة النعمان؟
فرد بحدة سمعها كل من حولي وكأنه لا يخاطبني من المحمول: كل ما تقوله بدعة وسأقوم بإبطالها من اليوم.
هممت بتوكيد ما قاله صديقي الشيخ حسان، قبل أن أنطق قطع الصوت المتشنج للشيخ عبد الحفيظ الفضاء وهو يحوقل… إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة…..أستغفر الله.
ابتلعت كلماتي وتذكرت كم قلت لحسان التغيير في بلادنا يحتاج لنبي يوحي إليه أو شيخ بكرامات فقال: فإن لم تستطع فبلسانك وهذا أضعف الإيمان!
أفقت على الصراخ الذي زادت حدته من الشيخ عبد الحفيظ “يريدك أن تدخل بلا قسيمة زواج عشان ولادك يكونوا ولاد زنا يا عريس، اندفع العريس صوب الشارع الرئيس والناس خلفه تشيعهم النساء بالصراخ؛ والإعصار يزداد كلما مر على حارة انضم له أهلها، طرق والد العروس بيت الشيخ، لم ينتظر أن يُفتح الباب؛ صارت الجموع عن بكرة أبيها بعقر دار الشيخ حسان الذي كان يجلس وأمامه كتاب الله رابط الجأش والموج في طريقه نحوه؛ شققت الجموع وأنا أصرخ: الشيخ لم يخرج عن الشرع.
لم تكن للجموع أذن بل أياد تتطاير منها الأحذية صوبي، أصابني الإعياء انسحبت من مرمى الأحذية تاركا الشيخ يلقى حتفه.

السابق
تعددت الأقنعة والوجه واحد في نص “الأقنعة”
التالي
تعتيم

اترك تعليقاً

*