القصة القصيرة

الخروفُ

هما على النقيض دائما . هي شابة تكاد تصل عتبة الثلاثين.هو تجاوز عقده الخامس بخمسة أعوام . هي متعلمة تعليما ثانويا ،معززا بثقافة نهلتها من مكتبتها المتواضعة .هو أميٌّ، وغبي كما تصفه لمن يكتم سرّها .هي شابة رشيقة لا تهتم بطعامها أبدا .هو بدين، أكول حد الشراهة. هي ربة بيت لاتكاد تفارق بيتها الا لقضاء لوازم الأسرة الضرورية .هو سائق تاكسي يقضي سحابة نهاره، وجزءا كبيرا من الليل في البحث عن رزقه ، ولايعود إلا للطعام،و أخذ قسط قصير من الراحة، ليرجع من جديد إلى شوارع المدينة حتى بعد منتصف الليل. القاسم المشترك بينهما أولادهما الأربعة.

هي فرضت العادات العائليةعليها زواجها من ابن عمها .زُفّت إليه خوفا على حياة والدها إن امتنع عن تزويجها له . مضت حياتها معه رتيبة ،مملّة لحد لا يكاد يطاق،خاصة بعد شعورهما بابتعاد بعضها عن الآخر مدة طويلة .حتى همست في أذنها إحدى صديقاتها أيام دراستهاالثانوية في واحدة من زياراتها المتكررة لها حتى بعد زواجها .
– مالك ومال هذه القعدة الكئيبة في هذا البيت؟! .لديك وقت فراغ قاتل أظنك تقضينه في النوم ،وانتظار الزوج أليس كذلك؟.
راحت تريها بهاتفها الجوال كيف تتصل مع صديقاتهما بكل يسر. أدهشتها الفكرة الجميلة.
في الزيارة التالية ،كان الهاتف ،وصفحتها على الفيسبوك جاهزين . تعلّمت ماتحتاجه بسهولة. أخفته عن زوجها ، وراحت في غيابه الطويل،تقضي نهارها وجزءا من الليل مع قائمة من الأصدقاء ، صارت طويلة بمرور الأيام .تحّول بعضهم إلى عشاق فيسبوكييين، لا غنى عنهم أبدا ،تبادلهم أرق المشاعر والصور الشخصية.
هو اعتاد أن يختم آخر شوط من أشواط عمله الليلي ، بشراء قنينته المعتادة، واختيار ضيفته مع وجبتي عشاء لهما في شقته الرخيصة التي استأجرها لهذا الغرض . وبعد منتصف الليل يعود إلى داره لا يكاد لا يقوى على قيادة سيارته من شدة السكر ، ليجد دائما زوجته مستلقية على أريكتهاتنتظر إشارته المعتادة بعدم حاجته للعشاء، لتذهب عندها لسريرها.

في آخر مشهد ، الزوج مثلما اعتاد كل ليلة قد اختار ضيفته من أحد الشوارع . بدت له بعمر زوجته . بمضي الوقت كان كلاهما قد عبّ من الخمر حتى الثمالة. قبل أن يهمّا بمغادرة المكان ، سقط هاتف الضيفة، انفجرت ضحكتها بقوة ، وهي تتفحصه . استغرب منها ذلك ،وضعت الشاشة أمام عينيه، وراحت تقلب الصور النسائية أمامه. لم يفقه من الأمر شيئا.انطلقت منها ضحكة مدوية.
– أليست هذه زوجتك المصون ؟.
ياللهول هي بعينها !! تكاد تكون عارية !! … صور أخرى …
صرخ فيها مزبدا، و لا تكاد تسعفه ساقاه على الوقوف:
– من الذي جاء بصورها عندك ؟!.
– إسألها هي…إسأل من هم عشاقها على الفيسبوك؟
لم يفهم شيئا .
– فيسبوك ؟!… من هذا الكلب ؟!.
دخل داره يترنح وعيناه يقدحان شررا . بادرها فورا وهو يهز أمامها مفكّ سيارته:
– أريد أن أفهم من هذا فيسبوك الكلب الذي وضع صوركِ عنده؟.
بحدس المرأة الفطنة، أدركت أن هناك من أوصلت له ما كانت تكتمه عنه.إفترَّ ثغرها عن ابتسامة عريضة . قالت وهي تضع شفتيها على صفحة خدّه الساخنة، المتعرقةمن شدة السكر،والغضب :
– حبيبي، ابن عمي ، هل تظن بي؟ .هل تصدّق الحاسدات الخائبات، اللاتي فشلن أن يجدن زوجا وحبيبا وينشئن أسرة مثلي ؟. كيف تصدق ..كيف؟!. ربما هناك من تشبهني . أنا حبيسة الدار منذ زواجنا ؟. أليس كذلك ابن عمي العزيز؟.
أفلتت يده المفك ،تبللت عيناه بالدموع.قادته مثل خروف صغير ،وهي تضحك بسعادة،و تدلق لسانها من دون أن ينتبه لذلك إلى سريرهما بغنج لم يألفه منها طوال عمر حياتهما الزوجية.

السابق
هذه مشكلت…
التالي
نَفاذٌ

اترك تعليقاً

*