مقالات

الدائرة السردية في قصة سيدنا يوسف عليه السلام.

بسم الله الرحمن الرحيم.
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ(99) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(100) رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنْ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ(101).

1-تقديم:
كثيرا ما يكون الحديث عن شكل السرد مثار جدل في الدراسات النقدية، التي تحاول أن تستقرئ المنجز السردي للتعرف على الأشكال المستهلكة في القص، والأشكال الممكنة التي تستطيع أن تستوعب السرد ومضامينه، مقدمة الطريقة الأنسب لقص الحكاية. ذلك المسعى فيها، نحسبه من قبيل الإحصاء الذي يجعل من السرد علما يحصي أشكاله المنجزة والأشكال الممكنة. بيد أن عبقرية الفن في تخطي المنجز دوما، والبحث عن الشكل الذي لا يكون مبتدعا لذاته بقدر ما يكون الابتداع مرهونا بالغرض الذي يقوم من أجله السرد. ذلك أننا نؤمن أن لكل قصة من القصص شكلها السردي المناسب لمضامينها وخطابها، وأنه ينبثق تلقائيا منها، وأنها ترفض أن يسلك بها السارد شكلا يكون الهدف من ورائه قصر الحكي على القالب الجاهز سلفا.
لقد حملت إلينا المحاولات السردية التي وضعت نصب عينيها الشكل أولا، كثيرا من المحاولات التي نقرأ فيها العنت من جهتين: جهة السارد، حين يجد نفسه مرغما على تلبية مطالب الشكل الذي اختار، وجهة المضمون، حين يجد نفسه مقصورا على مقاسات لا تليق به سعة وجمالا. فما يتصل بالسارد نشهده في الالتواء الذي يرغمه على الابتسار في التقنيات، وركوب بعضها إرضاء للشكل، حتى وإن فوَّتت عليه كثيرا من مطالب الغايات الجمالية والدلالية.
أما إذا استمعنا إلى شخص يقص علينا قصته، رأينا في معايشته لأحداثها، ما يسمح له بإيجاد الشكل المناسب لإخراجها. وكأن الشكل ليس هو المطلب الأول فيما يريد، بل المطلب كله في التأثير الذي يسعى إلى إحداثه في السامع. ومن ثم يكون سرده للأحداث هو عين الشكل الذي يبحث عنه. وكأن مسألة الشكل مسألة مفتعلة من أساسها. لأن الشكل هو المضمون الذي ينتقل إلى السامع، فلا يلتفت إليه إلا قليلا. إنه في متابعته للسرد ينسى أن هناك قضية تسمى الشكل فيما يسمع أو يقرأ. ولا تظهر مسألة الشكل إلا أخيرا، حين يبحث الباحث في العناصر المؤثرة في السرد. ساعتها يكتشف أن هناك عاملا يمكن أن يضاف إلى المضمون يسمى الشكل الذي تَمَظْهَر فيه السرد أخيرا. إنه حين يسأل نفسه هذا السؤال يتبادر إلى ذهنه الطريق الذي سلكه السارد لتوصيل الأحداث إليه. ذلك ما نسميه شكلا: إنه الكيفية التي ساق فيها السارد مضامين الحكي. فالتجزئة القائمة على فصل الشكل عن المضمون، دعوى لا تزال في حاجة إلى تبرير في عالم الفن إن هي دُرست على هذا النحو. أما إذا نُظِر إلى الفن على أن الشكل هو الكيفية التي يؤدي بها الفنان صنيعه، فالأمر مختلف اختلافا كبيرا. لأننا ساعتها لا نسأل عن وجود قائم بمعزل عن الصنيع، يمكننا عزله عنه، كما تنزع الكسوة عن التمثال. بل نبصر الوحدة التي يتمتع بها الصنيع في جملته واكتماله. ولنا بعدها أن نلتفت إلى الكيفيات التي جعلت الصنيع على هذه الهيئة دون غيرها.
إن حياة الصنيع الفني وامتداده عبر الزمان أثرا فنيا، تأتيه من اختلافه عن سابقيه، اختلافا يقتبس عبقريته من الهيئة التي هي له خاصة، لا يشاركه فيها صنيع آخر. ولا يمكن أن يعتبر الصنيع الفني إضافة في عالم الفن، إن لم تتوفر فيه هذه الخاصية الجمالية التي تؤكد تفرَّدَه وتميُّزَه. وعالم الفن مسكون بهذه النماذج التي استطاعت –على الرغم من تواضع مواضيعها- أن تحتل صدارة المنجزات الفنية، معتمدة على الهيئات التي أضافتها إلى الفن. إن خلودها آت من هذه الإضافة وحدها، لأن المضامين قد تتقارب لدرجة التماس والتكرار، وكأن القصة التي يرويها القصاصون في مختلف الأقطار قصة واحدة: قصة الإنسان في صراعه مع اليومي.. في توقه إلى غد أفضل.. في محاولة إحلال ذاته محلا مختلفا. وكل القصاصين يقتطفون من القصة الأولى طرفا يروونه بأساليبهم المتباينة.
إننا أمام نص أزلي واحد.. نص كلي.. نص جامع.. تنثال منه النصوص السردية شرقا وغربا، لتروي جزءا منه. فلو أعدنا تجميع هذه النصوص: قديمها وحديثها، شعبيِّها وأسطوريِّها، فإننا سنرقى صعدا إلى النص الأول.. النص المثال. هذا التصور الذي نبصر من خلاله مسألة الشكل، يعيننا على تفهُّم الرغبة التي تحدو السارد في الاختلاف، الذي يمكنه من تقديم قبس من الحقيقة المتصلة بالموضوع الأول: الإنسان. إنه التصور الذي يجعلنا لا نرى في الشكل المطلب المنفصل عن المضمون أساسا، بل يمكِّننا من التماس الشكل من خلال المضمون، وقد انتهى السرد إلى غايته.
وحين نلتفت إلى القصة القرآنية-التي نقرأ مشاهدها، ونحن نشرف على نهايتها- تبرز أمامنا مسألة الشكل. ليس باعتبارها مسألة منفصلة عن المضمون. بل مسألة يفرضها علينا الفهم الذي يقودنا بين المشاهد. إننا نرى الآن السرد يستدير على هيئته الأولى، كما يستدير الفلك. وكأنه يعود بنا إلى البداية، بيد أنها ليست البداية التي اكتنفها زمان ومكان. وإنما بداية ينفتح معها زمان ومكان جديدين. إننا حقا نشعر بالاستدارة، إلا أنها استدارة لا يتلاقى طرفاها عند نقطة البدء، وإنما تنفرج النقطتان زمانيا ومكانيا، ليشكلا دورة أخرى يسكت عنها السرد، لأنها تدخل في نطاق التاريخ.. تاريخ شعب تشكَّلت نواته في حيز معين.
إن السرد وهو يستدير تلك الدورة اللولبية يريد منا أن نتذكر البؤرة المؤسسة السرد. إنها الرؤيا التي أسست المنطلق لكافة الأحداث، والتي شدت العقدة إلى نهاية المشهد الأخير، لتنفرج عن مجال جديد يقص التاريخ قصته. إنه يذكرنا بفكرة الدورات التاريخية التي تحدثت عنها بعض الفلسفات الشرقية والغربية. غير أن هذه الفلسفات تؤمن بالانغلاق التام للدائرة، وكأن التاريخ يعيد نفسه. بيد أن الدورة فيما نقرأ تأسيس لحركة جديدة تنطلق صوب الغد، وقد استفادت من إنجازات الأمس. وخطاب السرد في القصة القرآنية يستقي درسه من هذه الدورة المفتوحة على التجدد. إنه حين يوقفنا على الماضي بأخطائه وأتعابه، يريد لأبطال القصة أن يستفيدوا من درسه أولا لتأسيس الغد المتفتح أمامهم. كما يلتفت إلى القارئ ليقرأ في التحولات التي تابعها حقيقة المصير في ارتباطه بالسلوك الشخصي والعام.

2-مصر، التحول التاريخي:
يجسد السرد القرآني التحول التاريخي في آل يعقوب من خلال فعل “الدخول وتسمية المكان “. وكأن هذا الفعل -الذي لا يرى فيه القارئ سوى رحلة الأهل لملاقاة الابن- يحمل دلالة أخرى أكثر إيغالا في المصير. لأنها تُمكِّن هذه النواة البشرية من الاستقرار في أرض تتيح لهم التكاثر والاستقرار. وكأن وجودهم في البادية لم يكن سوى وجودا مؤقتا، عاطلا من النماء والتكاثر. بل وكأن المصير فيهم كان ينتظر هذه اللحظة ليفتح باب التناسل فيهم. وأن الأرض الجديدة ستوفر لهم الوسط المناسب للانتشار. يقول السيوطي في الدر المنثور: « أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والحاكم، وصححه عن ابن مسعود قال: إنما اشتري يوسف بعشرين درهما، وكان أهله حين أرسل إليهم بمصر ثلاثمائة وتسعين إنسانا: رجالهم أنبياء ونساؤهم صديقات، والله ما خرجوا مع موسى حتى بلغوا ستمائة ألف وسبعين ألفا.» (1) وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال :« كان أهله حين أرسل إليهم فأتوا مصر ثلاثة وتسعين إنسانا: رجالهم أنبياء ونساؤهم صديقات، والله ما خرجوا مع موسى حتى بلغوا ستمائة ألف وسبعين ألفا. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال: خرج يعقوب إلى يوسف بمصر في اثنين وسبعين من ولده وولد ولده، فخرجوا منها مع موسى وهم ستمائة ألف.» (2) فالعدد الذي يحمله إلينا نص المأثور، عدد يتصل بالتاريخي الذي ينفتح في الدائرة الجديدة، التي توقف عندها السرد القرآني. وكأن السرد لم يتحمل إلا الإخبار عن التحول الذي مكَّن التاريخي من الاستتباب والانطلاق.
فقارئ السرد حين يشيح بوجهه عن التحول، يكتفي بما يقدمه المشهد من عرض لحركة اللقاء التي لا يرى فيها سوى التأويل الذي يهب للشكل دائريته التي تحدثنا عنها. غير أنها الدائرة التي توهمنا بالانغلاق أولا، في حين أنها حركة أخرى تندرج في صلب التاريخي أساسا. ونص المأثور الذي يشير إلى انتقال يوسف عبدا إلى مصر في أول القص، يريدنا أن نعجب للكثرة التي نجمت في أهله بعد انتقالهم إلى مصر. وغرضه من وراء ذلك تسطير فعل المصير في شعب بأكمله، يدخل أرضا قليل العدد، ضعيف الزاد، ليخرج منها مكاثرا قوي العتاد. يقوده في الرحلتين نبي من أنبياء الله .
إننا حين نستيقن من هذه الحقيقة، نعيد النظر إلى المشهد من جديد، فإذا هو يسمي المكان تسمية توحي إلينا بتحول آخر سيطرأ على الأهل. يتحولون من خلاله عن عادات البدو والبادية إلى عادات الحضر. ومن سلوك الرعي إلى سلوك الزراعة والصناعة. إنه التحول الخطير في التركيبة البشرية ثقافة وأخلاقا، في كنف الأمن والاستقرار: وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ فمشيئة الله واضحة في المصير الذي سطره للشعب النابت، والذي يحتاج إلى كثير من الأمن والاستتباب.
فإذا كان المشهد يقوم على هذه الافتتاحية الخاصة، فإنه يختلف عن المشاهد السابقة التي بدئت ب: وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ ( يوسف58) و وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ (يوسف68) و فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ (يوسف88) وهي كلها افتتاحيات نتحسس فيها عدم الاستقرار في الأرض، وكأنها تشير إلى حركة ذهاب وإياب دائبتين. غير أننا في هذا المشهد نجد لها طعما آخر. إن الرحلة قد انتهت، وانتهى شقاؤها، وأن الغد ينفتح على زمان ومكان جديدين. يجد فيها القوم لونا آخر من ألوان الحياة والعشرة. لذلك قلنا إن هذا المشهد قد لا يقع في صلب المسرود، بل يقع خارجه. ما دامت النعمة قد تمت كما أعلن عنها يعقوب من قبل. وكأن المشهد يقع في صلب التاريخ، غير أنه ضروري لاستدارة السرد على هيئته الأولى متيحا للرؤيا إفراغ شحنتها القصصية في المصير.

3-الرؤيا، المسار الحياتي:
تلخص الشخصية الرئيسة في السرد المسار الحياتي في عبارة واحدة، تمكينا للرؤيا من الحلول داخل الدفق السردي على نحو جديد. ذلك أن الذي رأى الرؤيا، هو مؤولها في النهاية. غير أن تأويلها لم يكن قولا، بل فعلا ومكابدة. لقد رأى يوسف في الأحداث التي توالت عليه، وعلى إخوته، وأبويه التأويل العملي لنص الرؤيا التي شاهدها في صباه. فهي الآن تعرض عليه فيما يشبه الشريط السينمائي الخاطف. يرفع إليه ذروات الأحداث التي وقَّعت المسار الحياتي العام.
غير أن السرد القرآني يريد لها أن تُعرض من خلال تقديم خاص. يقول السرد واصفا: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا (يوسف100) ذلك الوصف الذي وجد له نص التفسير كثيرا من الأخبار والهيئات. قال أبو السعود: « أي أبواه وإخوته. سجدا: تحية له فإنه كان السجود عندهم جاريا مجرى التحية والتّكْرِمَة، كالقيامة والمصافحة وتقبيل اليد ونحوها من عادات الناس الفاشية في التعظيم والتوقير. وقيل ما كان ذلك إلا انحناء دون تعفير الجباه، ويأباه الخرور وقيل خروا لأجله سجدا لله شكرا.» (3) فإذا كان اللفظ يوهمنا أولا –استنادا إلى استعمالنا العرفي له- بالسجود المعهود عندنا في الصلاة، فإن نص التفسير يقدم لنا سبيلين للفهم: الأول: أن نرى فيه انحناء تحية يُطوى فيها الجسد على النحو الذي نراه عند يعض الشعوب الشرقية. والثاني: أن نجد فيه السجود المعهود في الصلاة، فننصرف به من السجود ليوسف إلى السجود لله شكرا وامتنانا. وقال ابن كثير: « وقد كان هذا سائغا في شرائعهم، إذا سلَّموا على الكبير يسجدون له. ولم يزل هذا جائزا من لدن آدم إلى شريعة عيسى فحرِّم هذا في هذه الملة، وجعل السجود مختصا بجناب الرب سبحانه وتعالى. هذا مضمون قول قتادة وغيره. وفي الحديث أن معاذا قدم الشام فوجدهم يسجدون لأساقفتهم. فلما رجع سجد لرسول فقال: ما هذا يا معاذ؟ فقال إني رأيتهم يسجدون لأساقفتهم، وأنت أحق أن يسجد لك يا رسول الله. فقال: لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، لعظم حقه عليها. وفي حديث آخر أن سلمان لقي النبي في بعض طرق المدينة، وكان سلمان حديث عهد بالإسلام، فسجد للنبي فقال: لا تسجد لي يا سلمان، واسجد للحي الذي لا يموت. والغرض أن هذا كان جائزا في شريعتهم، ولهذا خروا له سجدا.» (4)
يستند نص ابن كثير إلى المأثور من الأحاديث لبيان الهيئة التي كان عليا السجود، لنجد فيه الهيئة التي نعرف. غير أنه يحيلنا على التاريخ الذي عرف في السجود لون التعظيم الذي كانت الرعية تقدمه لأنبيائها في الشرائع القديمة. ومنه تكون الحركة التي يرفعها المشهد من سجود الأهل ليوسف فعلا عاديا، ليس فيه ما يخالف العادة الشائعة. بل إن حركة السجود تحمل كل معاني التعظيم والشكر ليوسف فهم يسجدون طواعية في حركة واحدة.
غير أن للسجود في هذا الموقف رمزية أخرى تتوافق مع طبيعة المشهد الذي عددناه مشهدا خاصا في أهدافه. فإذا كنا قد جعلناه مفتتح مسار جديد في حياة العائلة الكبيرة في الأرض الجديدة. فالسجود يرمز إلى تسليم زمام القيادة إلى يوسف وكأننا نستشعر أن يعقوب قد أنهى مهمته، وأنه بهذا الفعل يسلِّم أمر العشيرة إلى يوسف فمنه سيستمدون شرائعهم الجديدة، ودينهم الجديد. وكأن البيئة الجديدة تقتضي هذا التحول فيهم. فالسجود آية التحول، ورمز تسليم راية القيادة الجديدة. خاصة وأن يعقوب كان قد بلغ من العمر عتيا. فقد أخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة قال:« دخل يعقوب مصر في ملك يوسف وهو ابن مائة وثمانين سنة، وعاش في ملكه ثلاثين سنة.» (5) وهي الفترة التي يمكن أن نعدها في حياة يعقوب فترة عبادة وشكر لله ، يتفرغ فيها لآخرته، بعدما انجلت عن قلبه سحب الأحزان، واطمأن على مستقبل الدين في أهله.
إن الوصف إذ يتوقف عند هذا الحد من التقديم، يفسح المجال أمام الحوار لاستكمال الشطر الذي يلخِّص المسار الحياتي تلخيصا يتوقف عند القمم من الأحداث التي صنعت عمود القصة، وخطت محاور السرد. فالشخصية الرئيسة إذ تتذكر هذا الشريط السريع على هذا النحو، تريد أن تضع يدها على مواطن الخلل في السلوك والنتائج: وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ  (يوسف100). وإذا نحن تأملنا فحوى العرض، وجدنا فيه حقيقة جديدة علينا. فما أهَمَّ يوسف في مساره الحياتي يسكت عنه، لينطق بلحظات الفرج وحدها، وكأنها اللحظات الكبرى في حياته. وقد يتوضَّح الأمر كثيرا إن نحن كتبناها على النحو التالي:
1- تأويل الرؤيا.
2-الخروج من السجن.
3-قدوم الأهل من البدو.
فهي ثلاث محطات في المسار الحياتي الذي كابده يوسف وأهله. غير أن كل محطة من المحطات تخفي وراءها كثيرا من المحن والعقبات:
1-الرؤيا. تخفي الكيد به وإلقائه في الجب، وبيعه للسيارة.
2-السجن. يخفي كيد النسوة، والبراءة.
3-القدوم. يخفي اجتماع الشمل، ورأب الصدع في العشيرة.
وكأن الشخصية الرئيسة تعرض علينا منهجا آخر لمفصلة القصة. فيكون لنا فيها ثلاثة محاور، تنتظم الأحداثُ وراءها. وهو الشكل الذي ينبثق من السرد ذاته. وكأن القصة تملي علينا طريقة تناولها اعتمادا على القمم الموجبة في المسار الحياتي العام.
وقد نستشعر من هذا العرض الموجب حقيقة أخرى تتصل بفحوى الخطاب السردي ذاته. ذلك أن الشخصية التي عددت المحطات واحتفظت بالموجب، تريد أن تعرض صنيع الله فيها على نحو يوجب الشكر دوما. وأن ما رأته من محن ومشاق، لم يكن في حقيقته سوى من مقتضيات المحطات الموجبة ذاتها. إذ لولاها لما كانت كذلك. فالذي نراه قسوة ومحنا، ليس سوى اعتقادنا نحن فيما نجد. بيد أنه في تدبير الله أمر آخر، يتحَّص فيه الشكر لله . لذلك قال يوسف : إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ فهذا الحكم الذي يختم به عرض الأحداث يشي بكثير من الفهم. حين يجعله قائما على ثنائيتين:
-لطيف/ لما يشاء.
-عليم/ حكيم.
فإذا نحن ساءلنا اللغة عن مرادها من هذه الألفاظ، كان لنا منها التدليل التالي:
-اللطيف: يقول ابن منظور في لسانه: « صفة من صفات الله، واسم من أسمائه. وفي التنزيل العزيز: اللطيف بعباده. وفيه: وهو اللطيف الخبير: ومعناه -والله أعلم- الرفيق بعباده. قال أبو عمرو: اللطيف الذي يوصل إليك أربك في رفق. واللطف من الله تعالى: التوفيق والعصمة. وقال ابن الأثير في تفسيره: اللطيف هو الذي اجتمع له الرفق في الفعل، والعلم بدقائق المصالح، وإيصالها إلى من قدرها له من خلقه. يقال: لطَف به وله، بالفتح يلطف لطفا إذا رفق به.» (6) وكأن صفة اللطف تقترن دوما بالعلم. فيوسف حين يستعمل هذا اللفظ يدرك جيدا أن تدبير الأمور يقتضي كثيرا من الدقة في تسييرها، وكثيرا من العلم بأحوال المبتلين بها. فما يظهر منها على هيئة المحن ليس في واقع الأمر سوى ضرب من اللطف، قد لا يُدرك سره لأول وهلة. ولكننا إذا انتهينا إلى نهاية ما، واستعدنا على أنفسنا قمم الأحداث الموجبة في مسارنا، رأينا البلايا فيها لطفا من الله . كذلك فعل يوسف فرأى الخروج من السجن إحسانا، ولكنه وجد الإقامة فيه حكمة من الله .
ذلك هو اللطف الذي رافق يوسف أربعين سنة. فقد روى الطبري في تفسيره، قال:« حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع، وحدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي عن إسرائيل، عن ضرار بن مرة أبي سنان، عن عبد الله بن شداد، قال: كان بين رؤيا يوسف وتأويلها أربعون سنة. عن ابن فضيل: حدثنا أحمد قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا سفيان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان قال: رأى تأويل رؤياه بعد أربعين عاما. حدثنا الحسن بن محمد قال: أخبرنا ابن عيينة عن أبي سنان عن عبد الله بن شداد قال: وقعت رؤيا يوسف بعد أربعين سنة، وإليها تنتهي أقصى الرؤيا. قال حدثنا معاذ بن معاذ قال: حدثنا سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان قال: كان بين رؤيا يوسف وبين أن رأى تأويلها أربعون سنة. قال حدثنا عبد الوهاب بن عطاء عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان قال: كان بين رؤيا يوسف وبين عبارتها أربعون سنة. قال حدثنا سعيد بن سليمان قال حدثنا هشيم عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان قال: كان بين رؤيا يوسف وبين أن رأى تأويلها أربعون سنة. قال حدثنا عمرو بن محمد العنقزي قال: حدثنا إسرائيل عن أبي سنان عن عبد الله بن شداد قال: كان بين رؤيا يوسف وبين تعبيرها أربعون سنة.» (7) وهي المدة التي استغرقها لطف الله بيوسف وأهله، والتي عرضها المسار الحياتي الذي يصفه يوسف . واقتران اللطف بالعلم والحكمة، يجعل المتفرس في القمم الإيجابية يتخطى المحن، ولا يعدها شيئا إذ ما هو قاسها بالنتائج السارة التي ترتبت عنها. فإحسان الله يسلك سبل الغيب التي نجهلها كل الجهل.

4-الشيطان، الشخصية الخفية:
لقد سبق لنا إدراج الشيطان باعتباره شخصية فاعلة في السرد القصصي، وقلنا إن فعلها الدسيس حاضر في كل الأفعال والأقوال من غير أن يفصح السرد عنها. فقد رأيناها في الكيد بيوسف أول الأمر، ورأينا فعلها في امرأة العزيز والنسوة، وآنسنا فعلها في الساقي الذي نسي، ووجدناها في اتهام يوسف بالسرقة.. إنها توقِّع المسار الحياتي كله بأفاعيلها الخفية التي تروم من ورائها تنغيص الحياة السليمة والخروج بها إلى الخطأ. إنها في حربها مع الإنسان تروي قصة واحدة أبدية.
وقد أشرنا في التقديم إلى أن القصة التي يرويها السرد شرقا وغربا، قصة واحدة، أو أنها النص الجامع الذي تقتطف منه النصوص السردية المختلفة. فإذا تقرر في أذهاننا هذا الشرط، أضفنا أن القصة الأولى ليست سوى قصة هذه الشخصية مع الإنسان: مطلق الإنسان في الزمان والمكان. سواء أكان مؤمنا، أم كان كافرا. لأنها في صنيعها تريد شقاءه، فلا يفتر لها جفن، ولا يستريح لها بال، إلا إذا رأته غارقا في التعب، موحلا في الخطايا، مثقلا بالرزايا..
فحين تورد الشخصية الرئيسة ذكر الشيطان، فإنها تسعى إلى غايتين: تذكير الإخوة بحضوره الدائم فيهم، وأن هذا الحضور لن ينتهي بتأويل الرؤيا كما يتوهمون. بل سيستمر فعله في أبنائهم، والأجيال التي تليهم، وأن قصتهم قد تتكرر في أشكال مختلفة، تقلق راحتهم، وتبعدهم عن جادة الصواب. وغاية أخرى تريهم أن ما أتوه من أفعال لم يكن من اختيارهم المحض، وإنما كان إملاء منه. فهو الذي “نزغ” بينه وبين إخوته. فهو يقاسمهم تبعة الأفعال التي اقترفوها من قبل.
وإذا نحن أعدنا قراءة السرد من زاوية شخصية الشيطان، رأينا في المسرود توجيها آخر، يحيل الشخصيات التي عاشرناها -من قبل- دمى تحركها خيوط الشيطان وأحابيه، ليس لها من أمر الاختيار سوى النزوع إلى الفعل، الذي يوهمها أنه من صنعها وتدبيرها. فخفاؤه عنها يبث فيها شعور الاختيار الحر، بيد أنها في تدبير الشيطان ليست سوى أداة الخطأ وموقعه في آن. وربما كانت هذه الزاوية، إغراء آخر لتناول السرد بطريقة أخرى تنقلب فيها موازين القوة في تراتب الشخصيات والأفعال والأقوال.

هوامش:
1-السيوطي. الدر المنثور.ج4.ص:516. دار الفكر. بيروت. 1993.
2-م.س.ج4.ص:580.
3-أبو السعود. تفسير أبي السعود. ج4.ص:307. دار إحياء التراث العربي. بيروت. (دت).
4-ابن كثير. تفسير القرآن العظيم. ج2.ص:492. دار الفكر. بيروت.1401.
5-السيوطي. م.م.س.ج4.ص:587.
6-ابن منظور. لسان العرب. ج9.ص:316. دار صادر بيروت.ط1. (دت).
7-الطبري. جامع البيان عن تنزيل آي القرآن. ج13.ص:70. دار الفكر. بيروت.1405.

السابق
مغترب
التالي
اصدار جديد “للوجع ظلال”

اترك تعليقاً

*