القصة القصيرة

الديطاي

..قالت زوجتي، بنفاذ صبر :
– الطحين نفذ.. أ لاتسمع.!؟ منذ البارحة وانا اقول الطحين نفذ، وانت لاتسمع.. ولاتجيب..!؟
قال ابني :
– الحذاء تمزق.. جواربي تتبلل. بناني تتجمد في القسم.. وانت لاتجيب.!! كانك لست بابا..؟ ماالذي غيرك بابا !؟
قالت ابنتي الكبرى :
– لماذا تصمت هكذا، بابا.!؟ كمن نسي لسانُه طعم الحروف.!؟ كأن خرسا اصابك..!؟ ايام وانت لاتتكلم.. تنهض صباحا، وتخرج دون فطور.. ولاتعود إلابعد ان ننام، ترتمي على سرير دون ان تنزع حذاءك، غالبا، وتنام دون عشاء..!! تغرق في الصمت، حتى عاد صعبا علي ان اميز شفتيك، في إطباقةِ فمك المريرة..؟ اي مرارة تجمدتْ في حلقك يا ابي.!؟ اراها في نظرة عينك، التي تهرب الى البعيد كما عين يائسة يداهمها خطر عاجل..! كنتُ انظر في عينك، فتطالعني نظرة نسر، تجعلني اخلع كل مخاوفي ووساوسي كما قميص ضيق، واتمدد على شاطىء احلام تغسله شمس امانك..! والآن ارى نظرة نسر كسير، تسخر الشيخوخة من تعثره، في اظافره الطويلة ومنقاره الذي فقد رشاقته..؟ اتمنى ان تكون مرحلة عابرة، يا ابي، يتخلص النسر اثناءها من تجاعيد الزمن، ليستعيد جناحُه طلاقته، ولتناسب من جديد حدّةُ الاظافر حدّةَ البصر..!
نطتْ زوجتي :
– نسر، غراب، بوم…المهم الطحين، الطحين.. الخبز..!
ماذا سياكل الاولاد..!؟ لن اجد ما اعجنه غدا..! فماذا سافعل..!؟ وماذا تفعل انت..!؟ ماذا تخبأ خلف هذا الصمت الذي ما عهدناه فيك..!؟ الصمت اصبح ضُرّة يارجل..!؟
تعالى صراخ الرضيع، الذي استيقظ للتو، صار صراخه في راسي كلمات واضحة تقول :
– بابا، بابا، حليب الرضاعة اوشك على النفاذ، ورضاعتي تمتلا من الصيدلية، لا من ثدي امي.. فلا تنس بابا ان تعرج على الصيدلية..!!
اسرعتُ.. اغلقتُ الباب ورائي، وهربتُ.. صاح بي عداد الكهرباء انِ انتظر، فهرولتُ…!
صدى صراخي الداخلي كان يتكسر على جدران الروح، كما موجة هادرة، والرذاذ يتطاير الى عيني كالقذى. الريح العاصفة باذني كانت تجعل كلماتي نداءا مبحوحا على لسان يداهمه الغرق :
( لايمكن، لايمكن…! لابد من دخل..؟ لابد من عمل..؟
لكن اين..!؟ ما من عمل وجدتُ.. لكن لابد من عمل شيء..؟ الطحين، الحذاء، الحليب.. الصمت ضرة..! بابا، بابا، النسر بابا..! الغراب ياابنتي، وحقول الجيف)
لم استطع الصياح، كما الباعة ، كان صوتي ينزلق كلقمة ملساء، الى حلقي، حين ادفعه الى الخارج. في يدي علبتا سجائر، اشتريتهما جملة، بعد ان بعت هاتفي، اخر شيء تبقى بجيبي، لاعيد بيعهما بالتقسيط؛ وفي فمي لسان كقطعة لحم ميتة، لايستطيع النداء :
– ” الديطاي “..!
تعثرت في خطواتي.. بالمارة، بالكراسي في المقاهي…! سخر مني الاطفال باعة ” الديطاي” ، دفعني نادل، نهرني آخر..سبني احد ما. وربما ركلني
آخر.. نعم ركلني آخر، وآخر..ركلني المقهى الى مقهى آخر، والشارع الى آخر، والمحطة الى اخرى..!
وصوتي ينفقأُ داخلي : ” الديطاي ” ” الديطاي “، كما لو ان قلبي منفضة لاطفاء اعقاب السجائر..! سرتُ بين العثرات، اترنح : تتعثر كلمة ” الديطاي ” في حلقي.. اتعثر في الكلمة العالقة في حلقي..في علبة السجائر في يدي..في… الطحين، الحذاء.. صورة استبدتْ بخيالي، رايتُ فيها زوجتي، تنهي آخر اللمسات على وجهها، قبل خروجها الى الشارع..! ثم عينا تغمز.. والطحين صنارة تجر الى حضن..؟ صحتُ، ليس بكلمة ” الديطاي “، بل بكلمة اخرى لاادري كيف خرجتْ، او من قذف بها..!؟ لكن الشارع، والسيارات، والمارة…نهرٌ صاخب، جارف، يمضي.. وانا على الضفة لا املك فرصة للرجوع، ولا للتقدم..! وابنتي تشير بفخر :
– النسر، النسر..!
ما كنتُ اراه كان غرابا.. غرابا يفك تكة سرواله، ويتوضأ من اناء عرقٍ..فينمسخ في هيئة انسي، حين تبينتُ ملامحه، رايتُ وجه المقاول الذي احتكر الواد والرمل، ونزع مني ومن صاحب الشاحنة الذي اشتغلت معه طيلة سنين، مورد رزقنا..! كان يخطو واثقا، منتصرا، ناشرا ذراعيه كفكي تمساح.وكانت ابنتي تندفع كالمهرة العذراء، ضاحكة في غنج، الى الاحضان المفتوحة.. كنتُ اراها احضانا من ذهب، والمقاول تمثالا منتصبا من ذهب..!
تناولتُ المعول، وصرختُ باعلى صوتي.. لم يخرج من حلقي غير كلمة ” ديطاي “..؟ تلفتُ مصعوقا، كان ابني الرضيع يصرخ، والحذاء الممزق لايكف يصفعني على جبيني..! وما من معول في يدي.. فقط علبة سجائر فارغة، بعد ان اشعلتُ آخر سجارة.. وامامي جرافة ضخمة تملأ شاحنة كبيرة بالرمل..!
صرختُ، وكانت الصرخة موجة سوداء، طلعت من اعماقي، وانداحتْ، كما غيمة قاتمة، على احساسي، على عيني، على العالم.. صارتْ طائرا ضخما، ضغطني تحت جناحه الاسود وطار، ووشوشات حاقدة تتناآى :
– ..يكفي الهراوة التي تكسرتْ على ظهره، كي لايفكر مرة اخرى، في عرقلة السير العادي للاشغال..!
– لايكفي.. لنتصل بالباطرون ونعرف ما إن كان لايود تسليمه الى القضاء..!
كنتُ اصيح : ” الديطاي، الديطاي “، وكانت شمس صباح آخر غصنا، ساعلق عليه حبلا، سأفتله من ثوب جيوبي الكثيرة الفارغة. وادخله في عنقي.. سيكون اوسع.. من كل هذا العالم الحقير..!
كنتُ ارى ابني يفتح الجريدة المحلية، ويقرأ بعيون دامعة دما :
” لقد تم العثور… في الساعة كذا… على جثة شخص منتحر، معلقة في غصن شجرة، قرب مقلع الرمال، من طرف…… وبعد ان تم اخطار الجهات… … حضر الى عين المكان… ….”
لن ادعهم يبحثون طويلا عن هويتي.. ساحتفظ ببطاقة الهوية الورقية في جيبي.. لن اترك عائلتي تنتظر كثيرا…بلاطحين…بلا… ….لااااااااا

السابق
براقة
التالي
لقاءٌ

اترك تعليقاً

*