القصة القصيرة

الديك

..إيه، اللعين، يريد خداعي، يريد استغبائي، انا سيد الديوك، الذي تقوقئ له كل الدجاجات طربا..!! اللعين، منتوف الريش معقوف المنقار، قوقأ يخاطبني، قائلا، دون ان يتخلى عن مسافة الحذر الضرورية :
– لقد اتفقنا، نحن باقي الديوك، على ايفاد وفد منا، واخترناك لرئاسته، ليفاوض وفد الثعالب، بعد ان اقترحوا علينا، توقيع معاهدة طويلة للسلم الغابوي، يتخلى بموجبها الثعالب، عن حقهم المشروع في لحمنا، كما نتخلى نحن، في المقابل، على حقنا المكفول في اصدار اصوات الانذار كلما رأينا ثعلبا..!
لهذا اخترناك على رأس الوفد، كي ننهي تاريخا طويلا من الصراع الدموي، ويسود الغابة استقرار لامثيل له..!
طِرْتُ إليه.. لكنه طار بعيدا… لو امسكته، لغرزتُ منقاري في جلده الطافح بالطفيليات..! ثم همستُ لنفسي، وانا أقوقئُ زهوا، وتحديا لكل الديوك المنفوشة المتكالبة حول دجاجاتي :
( يا لخبثهم، اتفقوا ان يرسلوني على رأس الوفد، كي انشغل عنهم طويلا، واترك لهم فرصة الاستفراد بدجاجاتي، واغتصابها..؟) اطلقتُ صيحة طويلة، واثقة، ثم واصلتُ 🙁 دجاجاتي اللواتي غنمتهن بعزة منقاري الحاد، وعرفي المتوثب كعرف الحصان..! لايعرفون كم حاربتُ، وكم حورِبت. سالت مني دماء، وأسلتُ كثيرا من دماء الديوك، وعبثتُ بريشهم، وصرعتهم، واحدا واحدا، امام الدجاجات..! إني الاقوى بينكم.. ومن حق منقاري الذي عمل فيكم نتفا، ان يقوقئ طربا مع دجاجاته، او يصدِر انذارا خادعا، كي تهرول الدجاجات مذعورات الى تحت جناحه الآمن..! نعم، من حقي ان اسوق قطيع دجاجاتي حيث اردتُ.انبش التراب بمنقاري، واقوقئ علامة اني وجدتُ شيئا صالحا للنقر، لتأتي دجاجة ما وتغرز منقارها، فاقفز، رشيقا، الى ظهرها واغرز منقاري في قفاها.. ثم افرد جناحي الظافر حتى الارض، وامر على اوتار ريشه باظافري..انا سيد الديوك، والدجاجات دجاجاتي..!)
طِرتُ الى اقرب ديك مني، فتناثر باقي الديوك في كل الاتجاهات، لايلوون على شيء.. وقوقئتُ، متحديا :
– من منكم يعتبر نفسه ديكا جهوري الصوت، يثبُتْ في مكانه، ويشمر عن منقاره..؟ لكنكم تصدعون رأسي فقط بصياحكم الذي يشبه قوقئة الدجاجات. آه لو امسكتُ باحدكم، لفعلتُ به ما افعلُ بالدجاجات، ليكون عبرة لكم، ايها المخادعون..!
ثم قوقئتُ مضيفا، بنبرة آمرة :
– إذهب انت على رأس الوفد، انت نائبي الاول، ولك كامل الصلاحيات.. واظن انك عاقل وراشد بما يكفي، كي لاتوقع معاهدة تضر بمصالحنا الاستراتيجية..! إذهبوا جميعكم، ودعوني لوحدي احرس الدجاجات، وأرعاها في آمان واطمئنان الى ان تعودوا.. وسأحاول، من جانبي، استغلال فرصة انشغال الثعالب بالاستعدادات الحامية لتنظيم حفل عظيم، يليق بحدث عظيم كهذا، لم تشهده الغابة من قبل طيلة تاريخها الطويل الطويل، ساستغل فرصة انشغالهم لاقود الدجاجات الى مراعي لم يصلنها من قبل، وكانت مناطق موت محقق، في اختبار جدي لنوايا الثعالب الحقيقية..! فاذهبوا جميعكم، حماكم الاله، وسدد مفاوضاتكم…
أخذتُ ظفري، ووقعتُ تفويضا، ورميته، ليلتقطوه..لانهم لايجرؤون على الاقتراب مني..!
طِرتُ الى غصن قريب. اطلقتُ صيحة طويلة كما عند بزوغ خيوط الصباح الاولى، ونفضتُ جناحي علامة ان الامر قضي..ارسلتُ عيني المستديرة بين الدجاجات المجدات في التدقيق بين ذرات التراب، بينما غاب عن ناظري باقي ديوك الوفد المبارك..قوقئتُ لنفسي، مزهوا :
( انا، الآن، بضاعة نادرة جدا، امام الدجاجات..! ما من ديك آخر سواي، بينهن، بعد ان ذهب الديوك في مسعاهم الحميد..! فلِما لا أدع الدجاجات يدخلن في جولات من المعارك، لاجل ان تفوز احداهن بي..!؟ انا الذي طالما بصم على منقاره بدم الديوك، كي ينعم بغرزه في قفا احدى الدجاجات..؟ إن طلبهن علي سيكون ملحا كصوت الرعد، مندفعا كالسيل..فانا وحيد دجاجاته، الذي من حقه، حقه الذي انتزعه بقوة جدارة منقاره، ان يستمتع، قبل عودة الديوك، بجعل الدجاجات يقتتلن لاجله..! انا نادر، الآن، كالشمس؛ ويجب ان اتمنع، واستعلي كالشمس النادرة..!)
لهذا صفقتُ بجناحي. وارسلتُ صيحة تعرف الدجاجات معناها، من اعلى الغصن.. اجتمعتِ الدجاجات، وقوقئتُ مخاطبا اياهن…
لكن صوتا مفاجئا علا قريبا منا، جعلني اصدر قوقئة تحذير دون ارادة مني..! فقوقئت الدجاجات مؤكدة انه صوت ثعلب قريب من المكان.. طِرتُُ من على الغصن، واندفعتُ بسرعة.. الديك، اسابق الدجاجات الى الخم… دخلناه في هرج مرتعب..هدئنا قليلا، وتعالتْ قوقئاتنا، مهنئين بعضنا البعض على سلامتنا جميعا.. لكني نسيتُ الرعب، بسرعة، وصرتُ اعض على ريشي اسفا، لان الثعلب الغادر لم يترك لي فرصة الاستمتاع بالدجاجات يتعاركن لاجلي..! وفكرتُ ان الديوك لن تعود ابدا، مما سيطيل امد الفرصة، الى ان تبلغ ديوك أُخَر، فاستبشرتُ…
كان الوقت يسير الى الظهيرة. وكانت الدجاجات تقوقئ حين وقف الرجل بباب الخم. احداهن كانت تقوقئ في اذن الاخرى : ان الثعلب ليس إلا صوتا خادعا اطلقه الرجل، لندخل الخم، دون عناء..وان هناك ضيفا طارئا حلّ…
دار بؤبؤي في عيني المستديرة كالطوق، فرأيتُ السكين يلمع..قوقئت برعب 🙁 ياويحي، انا النادر بين الدجاجات..! لاديك غيري..! آه، ليتني ذهبتُ على رأس الوفد..! لكن…
قوقئتُ، وقوقئتُ..ركضتُ، وقفزتُ..حاولتُ ان اطير، افردتُ جناحي، لكنه كان جناح ديك..ليس إلاّ..!

السابق
تمرد الجني ظام
التالي
وعاد من حيث أتى

اترك تعليقاً

*