مقالات

الذائقة الجمالية العربية

قبل أن أتطرق إلى موضوع الذائقة الجمالية ،أرى أنه من المفيد جدا ،أن أعرج على التعريف بمفهوم الذائقة : فهي اسم فاعل من الفعل (ذاق ، يذوق ) وهي قوة تمييز طبعية بين طبائع الأشياء وتذوقها ، سواء كان ذلك سلبيا أو إيجابيا ، سواء تميزت هذه الأشياء بالمرارة أو الحلاوة ، ومنه ( كل نفس ذائقة الموت ) فالذوق إذن ليس مقصورا على الجانب الجمالي فقط في هذه الأشياء ، وهذه القدرة على التمييز لا تقتصر على الإنسان فحسب وإنما تتعلق بباقي الكائنات الحية الأخرى من طيرأو حيوان ، إذ هي بدورها تستسيغ الحسن فتعشقه وتقبل عليه كالعيس تبالغ في المشي طربا لإيقاع الحادي ، والأغنام تبالغ في الرعي مستعذبة شبابة الراعي ، وتخاف قرع الشنان فتنفر وتفر منه ، وقد أسندت الذائقة إلى الجمال على سبيل النسب ، إذ تصبح من خلاله جزء من الجمال ، على مستوى هذا التركيب ، والأولى في اعتقادي أن تسند إلى الجمال على سبيل الفاعلية( ذائقة الجمال ) فيسند اسم الفاعل إلى مفعوله !
وأما الجمال ، فهو كل ما يمكن أن يثير في النفس رعشة القبول والاستحسان وتحقيق الإدهاش حد الشعور باللذة ،وإن يبقى مفهوم الجمال من المفاهيم المعقدة جدا ، إذ يرقى إلى مستوى أعلى درجات القيم الإنسانية ( كالحق والعدل والحرية والخير ) ، ولا يقتصر الجمال على المدرك بالحواس الخمسة تذوقا ، وإنما كل ما من شأنه خلق هذه اللذة ، والرضا ، من أفعال وسلوكات وتصرفات تجاه النفس و الآخر ، و لا أريد أن أنجرف في الحديث عن الجمال بمفهومه الصوفي الذي يرقى إلى الكمال ،وإنما سأتطرق إليه كجمال عرضي متبدل و متغير! والمتحكم في الإحساس والشعور به هو تلك الظروف والملابسات اللحظية غير التابثة ، فما تراه جميلا في وقت من الأوقات قد لا تستسيغه ، في أوقات أخرى ، فمفهومه نسبي ، وتذوق الجمال هو ذلك الإحساس الجميل كالشعور بلذة الخمرة بدون خمر أو لذة الطرب بدون مطرب ، سواء كان مدركا بالحواس الخمسة من لمس وشم وبصر و ذوق وسمع وغيرها ، فقد يتذوق الجمال المدرك بالعقل كذلك في الموضوعات الفنية والفكرية والسلوكية ومادام الشعور بالجمال ، يكاد يكون غريزيا في الكائن الحي ، تحكمه هذه القوة والقدرة على التمييز بين القبيح والحسن والجيد والرديء ، فإنه يستوجب تهييء البيئة المناسبة التي تساعد على تنمية الذوق والإحساس بالجمال !
فالذائقة الجمالية مثلها مثل الجمرة قد تكون مشتعلة لكنها سرعان ما تخبو وتنطفيء إذا ما احتوتها بيئة فاسدة لا تساعد على ذلك ، وهذا ما سنراه في هذه المحاور التي سنناقش في هذا الموضوع :
إن الله سبحانه وتعالى خلق الجمال في كل شيء ، في كل مظاهر الوجود بدء من تغريد البلبل فوق الفنن إلى خرير الساقية وحفيف القش الذي يتلاعب به نسيم الصباح ، إلى ظلام الليل وإطلالة القمر، إلى وميض البرق وقعقعة الرعد ، فأينما تولي وجهك إلا وتجد الجمال في أبهى تجلياته لا تحده حدود ، لكن للتفاعل مع هذا الجمال المتجلي في المظهر الطبعي والفكرة العلمية ، والصورة الشعرية ، والايقاع الموسيقي واللوحة الزيتية ، لا بد من تربية الإنسان / المتلقي على الشعور الرائع الذي يبعث الحياة في النفس والإحساس بجمال هذه المظاهر ، وما دامت الذائقة وتذوق الجمال قدرة غريزية تمييزية في الإنسان فالبيئة المناسبة الخالية نسبيا من الأدران والأمراض الاجتماعية ، تساهم بشكل أو بآخر في تنمية هذه الذائقة وصقلها وتدريبها وإن كانت ذائقة شخصية مثلها مثل بصمات الأصابع لا يمكن أن يشترك فيها اثنان أبدا ، و هذا الإحساس بجمال الأشياء من حولنا كفيل بجعل الإنسان قادرا على وضع ذاته في مكانته الإنسانية وفي أرقى مراتبها العليا التي متعه الله سبحانه وتعالى بها وجعله في أحسن تقويم، إذ يتجاوز ذلك الإحساس الغريزي الذي قد يشترك فيه مع باقي الكائنات الحية الأخرى في برها وبحرها وسمائها وأرضها ، و هذه البيئة المناسبة التي تساعد على تنمية الذائقة الجمالية والشعور والإحساس بكل ما هو جميل ، تستوجب احترام كل ما هو جميل في هذا الكون الجميل وهذا لن يتأتى إلا إذا ربينا النشء على حب الجمال ، فلنؤمن بأن الله سبحانه (جميل ويحب الجمال ) .
فمنذ صغر الطفل ونعومة أظافره ، نكون ملزمين بتربيته على احترام المحيط الذي يعيش فيه : يستطيبه ويشعر به ويستسيغ جماله ،ولعل الإحساس بجماله ، يجعله أكثر حرصا وحفاظا عليه إذ يشعر أنه منه وإليه ، بدء من البيت إلى المدرسة إلى الشارع !
فتتربى أذنه على أن يطرب لإيقاع خرير الماء فيحترم النهر ، وحفيف الأوراق فيقدس الشجر ، ويستطيب رائحة الزهرة ، فيحنو عليها ويهتم بها ، وهذا بشكل أو بآخر سينعكس إيجابا على سلوكه وتصرفه وطرق احترامه غيره ، فننجح في تكوين الإنسان الذي يحترم الطبيعة ويتذوقها ويحبها ، وبالتالي نحصنه من الأذى بكل أنواعه لنفسه ولغيره ، وكما نربيه على تذوق جمال مظاهر الطبيعة ، نربيه كذلك على تذوق و احترام الفكرة ، واستساغة الكلمة الراقية ، وتذوق جمالها بدء من السطر الشعري إلى النتفة إلى القصيدة .
ولعل التربية على التذوق وتنمية الذائقة الجمالية ، تذكي في روحه حب النقد و إبداء الرأي الحر والاستقلال بالشخصية و التفاعل الإيجابي مع كل ما يشعر به من جمال المحسوسات والمعقولات !
ولعل المقصود بتهييء البيئة المناسبة ، التركيز بصفة خاصة على مدرسة فنانة تحب الفن وجميلة تحب الجمال وترسخه كمبدأ من مباديء هذا الجيل المتعطش إلى التربية على القيم العليا ، هذا الجيل الذي يكون قادرا على استساغة الجمال وتذوقه ، مدرسة تفكر فيه كإنسان له ما يحب وما يكره ، لا في حشوه بذلك الكم الهائل من المعارف والمعلومات التي سرعان ما يطويها النسيان فلا تترك في نفسه أثرا يذكر!
ولكن للأسف فإن فاقد الشيء لا يعطيه، إذ نجد في أغلب المجتمعات العربية أن المدرسة فاقدة لأهلية التربية على الذوق السليم والذائقة الجمالية ،و لاأرجع سبب هذا إلى ضعف ذائقة الساهرين على حقل تربية الأجيال ، و إنما مرده بالأساس لضعف مقررات مدرسية قررت (بضم القاف )دون أن تهتم بميولات الناشئة . مقررات تمارس سلطة الحشو والتلقين ، وهذا لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يساعد على تربية الجيل على حب الجمال واحترام مظاهره ، أو على أن ينمي فيه روح التذوق ،هذا في غياب هامش معقول من الحرية الشخصية للطفل في اختياراته ، واحترام ما يحب وما يتذوق ، وأقصد بذلك أنك تلمس في أغلب مدارس المجتمعات العربية افتقارا يكاد يكون مطلقا للحوافز والدوافع التي تساعد هذا النشء على تنمية ميولاته الفنية ، إذ نكاد نقصي من مقرراتنا الدراسية : التربية الموسيقية أوالتربية التشكيلية أوالأنشطة المسرحية وغيرها ، وفي أحسن الأحوال إذا وجدت فإنها تكون بشكل جد خجول وتعتبر من الكماليات والمواد التكميلية ، دون أن يضع المقرر ( بضم الميم )في ذهنه أن هذه المواد من الحاجيات التي ينتفع بها شأنها في ذلك شأن الماء والهواء وشخصية الإنسان تكامل بين ماهو مادي وما هوروحي .
فهذا الخلل الكبيرعلى مستوى المنظومة التربوية العربية لا يمكنه أن يساهم في صقل ذائقة الجيل الجمالية والتي تكون أصلا متضعضعة إن لم نقل منعدمة نظرا لغياب الدعم وتفشي الإهمال في الوسط الأسري الغائب عن التربية ، خصوصا تلك الأوساط التقليدية المحافظة التي تعتبر الدندنة الموسيقية سوء أدب وقلة حياء ، فتكون ميولات الطفل الجمالية تحوم في الأرض وما يلقن له يرفرفرف في السماء، فتعوق هذه التناقضات التربية الصحيحة التي تكون قادرة على تكوين شخصية إنسان سوي فاعل ومتفاعل وعاشق للمحيط الذي يعيش فيه !
فمن خلال هذه التربية نجهز على اختياراته ، ونمارس عليه القمع والتسلط ،ونحن نجهل أو نتجاهل أن( لكل عصر رجاله ) ولكل شخص ذائقته الجمالية الخاصة به ،فلنسلحه بالمباديء والأسس التربوية الأولية ونتركه يبحر في هذا العالم اللامتناهي ، يحدد ما يستحسنه وما يرفضه !
والتربية التي لا تنبني على أسس ميولات الطفل الذوقية مع توفير هامش الحرية التي تمكنه من التفاعل الإيجابي مع محيطه لا يمكن أن ننتظر منها المساهمة في تربية الذوق والذائقة الجمالية لهذا الجيل الذي أصبحت تربيته تخضع للسرعة و المكننة الآلية لا أقل ولا أكثر .
يقول أحد الحكماء : للجمال مصدران 🙁 المرأة والطبيعة ) ففي الطبيعة تتجلى كل مظاهر الجمال ، التي تشعرالمتلقي المتذوق بلذة جمالها وهو ليست له يد في ذلك ، والمرأة رمز لجمال خلق الله سبحانه وتعالى في مخلوقه الذي فضله عن سائر الكائنات وقلده زمام أمور الدين والدنيا ، وجعله خليفة له في الأرض وأنزله نزول كرامة وعزة لا نزول مذلة وعقاب كما يعتقد البعض ، لكن ما هي انعكاسات هذه الظروف السياسية والاقتصادية والتاريخية على مجتمعاتنا العربية في الوقت الراهن ؟ و في هذا الواقع المتخن بالجراح؟
إن مجتمعاتنا العربية وبدون استثناء ، مرت بظروف تاريخية عصيبة جدا منذ فترة طويلة و لا زالت تعاني من ويلات الحروب والتشتت والتشرذم ، فهذه الظروف القاسية دمرت هذين المصدرين للجمال ، فالطبيعة تحترق و تتشظى مظاهر جمالها تحت وطأة وابل القنابل العنقودية ، وأزيز الطائرات وزمجرة الدبابات ، والمرأة رمز جمال الإنسان بصفة عامة تتشظى أشلاء في كل لحظة وحين، حتما هذا سيساهم بشكل كبير في إقبار الذائقة الجمالية وقتل الشعور بالجمال في نفس هذا الإنسان العربي صغيره وكبيره ، شيبه وشبابه ،فكيف ننتظر من طفل صغير تساوى عنده الدم بجرعة الماء : أن يشعر بجمال الشجرة والقذيفة الطائشة تقتلعها من الجذور ؟ كيف لهذا الطفل وحتى هذا الكبير أن يتذوق حلاوة الحياة ومنزله ينهد فوق رأسه في كل لحظة وحين ، وأجساد أبنائه الممزقة يمتصها غبارمنزله المنهار ، وهو نفسه يشعر بأنه مشروع قبر مجهول آجلا أو عاجلا ، فالذي يصارع من أجل البقاء على قيد الحياة تموت فيه الذائقة الفنية و يخنق في نفسه التذوق الجمالي للأشياء من حوله ، فكسرة الخبز تفقد طعمها ، لكن المهم أنها تملأ المعدة وتحفظ من الموت جوعا إلى حين!
هذا واقع الذائقة الجمالية عند الإنسان العربي ، الذي أصبح مجبرا على تصنع هذه الذائقة وممارسة نفاق تذوقي للجمال في كل شيء حتى في حياته الأسرية ، فالذي يقطر قلبه دما لا يمكن أبدا أن تقطر شفتاه عسلا ، هذا الواقع الآسن الذي يدمر إنسانية الإنسان ويشيؤه شيئا ليس ذا قيمة ، فيحول فيه الشعور بالجمال وتذوقه رغبة أكيدة في موت محقق يتوخى منه الخلاص من كابوس تتساوي فيه ألوان قوس قزح ويختلط فيه صراخ الصغير بولولة أمه ، فهذا الإنسان العربي مغلوب على أمره ، مقهور ،تصبح ذائقته الجمالية بهذا المفهوم من الكماليات ومن المفاهيم المتجاوزة وليست من الحاجيات التي ينتفع بها ، لأنه فقد ، خاصية من خصائصه الإنسانية التي تميزه عن الحيوان ألا وهي الذوق والذائقة ، والإحساس بجمال الحياة وروعة الطبيعة وجلال الملكوت اللامتناهي !
لكن ربما يمكنه أن يتذوق ملوحة البحر ، ولكن حتما ،حتما سيتذوق سمك القرش ملوحة لحمه ، وهو في تغريبته هروبا من موت مفترض إلى موت محتوم ، تستوي فيه صفحة الماء فوق رأسه ورؤوس صغاره !
إن الإنسان كما هو معروف ابن بيئته تؤثر فيه ويؤثر فيها ، وتتحكم في كل مقوماته النفسية ، وذائقته الجمالية ليست بمنأى عن هذا التأثير والتأثر سواء كان سلبيا أو إيجابيا ، و هو في هذا العالم الذي يغلي كالمرجل على صفيح ساخن ، تتشظى الذائقة الجمالية وتخرج عن طوع هذا الإنسان التائه في هذا اليم من الضجيج ، الذي يفقد كل الأشياء ، طعمها ،ويمارس التكلف والتصنع في ممارسة نفاق التذوق الجمالي، فقد تنعدم أسباب الذائقة الجمالية في هذه البيئة التي تكاد تكسر الرقبة بسرعتها وصخبها وضجيجها ، فيتظاهر بهذه الخاصية التي أصبحنا نفتقدها حيث تساوى كل شيء ، و فقد الجمال بريقه ،وطعمه ، فلم يعد لنا الوقت الكافي لتذوق جمال ما يحيط بنا ، فتتكسر الذائقة الجمالية على محراب هذا الضجيج والصخب ، وعلى أنقاضها تظهر ذائقة جمالية لا ذائقة لها ،ذائقة مزيفة تشي بواقع مزيف في كل مظاهره وسلوكات أفراده ، فهذه المرأة لم تعد مصدرا من مصادر الجمال ، فقد تم تشييئها وأصبحت تملأ الإعلانات الإشهارية منشورة على قارعة الطريق وتجوب صورها -عارية أو شبه عارية – القنوات الفضائية العالمية باسم روح العصر والحداثة ، فيضيع تأثير جمالها في النفس، فيفقد إنسان العصر الحديث الإحساس بجمالها ، كما يفقد الإحساس والشعور بجمال مظاهر الطبيعة من حوله ،و التي فقدت كل مقوماتها الجمالية ، فرتابة طلوع الشمس حتما ، تحطم الإدهاش والغرابة و تقتل الشعور بلذة الرؤية !

من مواليد 5 يوليو 1959 بوادي، إقليم خريبكة، التحقت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وتحصلت على شهادة الإجازة في شعبة اللغة العربية وآدابها!، جامعة محمد الخامس بالرباط، بعد حصولي على شهادة البكالوريا في شعبة الآداب العصرية سنة1980. التحقت سنة 1985 بالتدريس، تخصص اللغة العربية وآدابها!، وفي سنة 2007 التحقت بالإدارة التربوية بالرباط، ولا زلت أمارس مهامي بها إلى حدود كتابة هذه السطور!.
أغرمت بالقراءة والكتابة منذ نعومة أظفاري ،فقرأت الرواية والقصة القصيرة والشعر خصوصا الشعر الملتزم ، لكني كنت ميالا لكتابة القصة القصيرة، عزفت عن الكتابة والقراءة لفترة طويلة جدا ، أمام غياب الدعم و التشجيع والتحفيز !
ابتداء من 2014، عدت إلى غمار الكتابة، في مجال الخاطرة والمقالة بمختلف مشاربها، وألوانها، وقد لاحظت أن الشخوص تغلي في ذاكرتي كالحمم التي تبحث عن ثقب للخلاص، وكان فعلا إنتاجي في القصة القصيرة في هذه الفترة القصيرة جدا غزيرا جدا!
دخلت مغامرة النقد في مجال السرد والشعر، أملا في إنصاف الكثير من المبدعين الذين تضيع نصوصهم في أعمدة منتديات العالم الأزرق دون أن ينتبه لهم أحد !.
قمت بنشر إنتاجاتي الأدبية في مختلف المنتديات الأدبية، وفي أغلب المجلات الإلكترونية والورقية في مختلف أنحاء الوطن العربي، لم أبحث يوما عن الشهرة والتميز بقدر ما كان همي الارتقاء باللغة العربية ، التي مع الأسف تسير نحو الهاوية، وأتمنى أن أوفق في هذا المسعى، وكلي إصرار على تحقيق هذا الهدف إن شاء الله !.

السابق
عبقريةٌ
التالي
مراسيم الانحدار

اترك تعليقاً

*