مقالات

الذات والموضوع…. وأصل الحكاية..

ثمة علاقة جدلية يُفترض وجودها دائما، بين الذات ــ أىّ ذات ــ، والموضوع ــ أىّ موضوع ــ في جميع المصنفات الفنية، بكافة أشكالها ومذاهبها، وإن اختلفت في شدتها من عمل إبداعي إلى آخر.
ويرجع هذا الإختلاف (في درجة العلاقة)، على الأرجح إلى مايمكن أن نطلق عليه (تاريخ الموضوع في الذات) أولا، ثم (قيمة الموضوع عند الذات) ثانيا، فبدون هذا التاريخ، وهذه القيمة، يتحول فعل الإبداع إلى عمل ميكانيكى صرف، لاروح فيه، ويصبح مجرد إدعاء أيديولوجي أجوف خلو من أبستمولوجيا الموضوع، ومن ثم يفقد الجزء الأكبر من قدرته على الوصول إلى الناس أو التأثير فيهم.
وهذه الدراسة، محاولة قراءة لبعض جوانب العلاقة القائمة بين الذات في تفاعلها النامي مع الموضوع، بغرض اكتشاف أبعاد تلك العلاقة، وفهمها في سياقها التاريخي الخاص.
ولأن الذات التي نقصدها هنا، ذات شاعر مصري صميم، دماً وروحاً ولساناً، ولأن الموضوع الذي نعنيه هو الوطن، القيمة التي لاتعلوها قيمة، فلا عجب أن تلتف حوله وتعانقه كل قصائد ديوان (أصل الحكاية)، لشاعر العامية السويسي الكبير كامل عيد رمضان، في قداس إبداعي مهيب.
فالوطن بمعناه العام والخاص هو عشقه الأول الذي يباهي به ويفاخر، وينتمي إليه بلا حدود، يغضب إذا ماتغيرت ملامحه الأصيلة ويحزن إذا ما شوهت يد الفساد والإفساد جماله المادي أو المعنوى، أو إن هى ضيعت مفرداته، يغنى له ويتغنى به في كل الأوقات، في العسر كما في اليسر، في زمن الضيق والشِّدة والألم العظيم، كما في زمن الرخاء والدعة، ويؤمن أن بناء هذا الوطن لن يكون أبدًا بالكلام وحده، ذلك لأنه كما يصف نفسه في مقدمة الديوان “الذائب في هوى مصر متشوفاً ومتشوقاً لحياة ذادها الكرامة في عالم انقلبت فيه المعايير…” ، وهو القائل عن الشعر: ” هو مدخلي إلى هذا التشوف وهذا التشوق، ذلك أن الشعرفي منظوري هو دفتر أحوالي”، وعن القصيدة: ” هي أنا ، وأنا هو ذلك العضو المنتمي لمجتمعه، ذائبا فيه …”، هذا هو بحق كامل عيد رمضان، الإنسان، والفنان الذي أعرفه.
على هذا النحو، نحن إذن أمام حالة نادرة من حالات الإنطباق بين: (ذات وموضوع)، (شاعر وقصيدة)، (إنسان وفنان)، حالة أقرب ماتكون بعملة ورقية وضعت في وجه الشمس، فانطبعت ملامح الظهر الخفى فوق قسمات الوجه الظاهر في تكوين بديع مضىء تتعانق فيه كل الخطوط، وتتقاطع كل الدوائر، وتتمازج كل الألوان، حالة أكثر عمقا، وأبعد أثرا من ذلك الصدق الفني الذي يتشابه علينا في كل إبداع، إنها حالة ذات عاشقة لموضوعها، وموضوع ضارب بجذوره في أعماق هذه الذات ــ قيمة وتاريخا ــ معا ، وفي آن واحد.
تصدرت الديوان عبارة “أشعار بالعامية المصرية”، ربما عن عمد وقصدية، ذلك أن العامية عند (كامل عيد رمضان)، اختيار ، لغة حياة وليست لغة للنظم، لغة ممزوجة برؤية مستوعبة لكل تفاصيل الهواجس المختبئة وراء تجاعيد الزمان، وتضاريس المكان، والقابعة داخل صدور الناس، لغة متجاوبة في إيقاعها مع نبض من حمل على عاتقه مسئولية البحث عن “دليل” يفسر لنا غياب الحس الإنساني عند البعض من الذين لم يستشعروا المعاناة التي يعيشها أبناء مدينة مصرية تقع في مرمى مدافع الأعداء.

لعب الوطن الدور الأبرز في تشكيل وعى ووجدان (كامل عيد)، وتصوراته، وعالمه الشعري الخاص في وقت مبكر، وقد تجلت ارهاصات هذا الدور يوضوح منذ لحظة (المخاض الأول) في مشواره الإبداعي الذي امتد إلى مايقرب من نصف قرن من العطاء المتواصل، وليس من المبالغة القول بأن المقدمات الأولى لهذا الدور ربما تعود إلى زمن أقدم من لحظة المخاض الأول، هو زمن (التكوين الأول)، قبل أن يبدأ رحلته الطويلة مع الكتابة الفنية، ودعونا نتأمل ــ بعد أن ننحي قضية توظيف التراث جانبا ــ لكونها ليست موضع الإهتمام في هذه الدراسة ــ كيف فرض المخزون الثقافي العام نفسه على عدد ليس بالقليل من قصائد الديوان، وإلى أى حد كان الوطن ورموزه المتتابعة عبر الزمن مركوزًا في أعماق الذات عنده.
فمن (المخزون المصري القديم العميق في الذات)؛ يستدعي (إيزيس)، (رمسيس)، (كاموس): انظر أصل الحكاية الصفحات 25، 72، 28، ومن (المخزون الديني العميق في الذات)؛ يستدعي (سليمان) انظر “أحلام الكلام” ص 31، (لقمان) أنظر “أحلام عصرية” ص38، و (عيسى)، (أيوب): أنظر”أيوب السويس” ص59، ومن (المخزون المعاصر العميق في الذات)؛ يستدعي (النديم): أنظر “ثلاث كلمات للحب” ص13، (سيد درويش): أنظر “كلام لسيد درويش” ص63، وجميعا كما هو واضع رموز زائعة ومشهورة في ثقافتنا العامة، لابد وأن تكون قد أدت دورها الفاعل في تشكيل تصورات (كامل عيد)، وصياغة قناعاته فيما يخص معنى الوطن وقيمته، ونوع الحياة التى يرضاها له، قبل أن يستخدم دلالاتها المختلفة لتأصيل مفهوم علاقته بالوطن، وتأكيده في السياق الشعري.
والمتأمل لقصائد الديوان، لن تصادفه عقبة ذات بال في سبيل تتبعه أبعاد تلك العلاقة بين الشاعر والوطن، ومراحل تطورها، ابتداء من مرحلة ماقبل يونيو 67 بكل مافيها من أحلام وهواجس، ومرورا بما تلاها من من مراحل؛ تأمل الشاعر وهو يحلم بوطن انساني حر سعيد بما يكفي لاستيعاب كل أحزانه، انظر: “أحلام الكلام” سبتمبر 1965 أقدم قصائد الديوان.. يقول: (بحلم بحب وغيط ــ وببلد ــ /ملهاش بيبان /بحلم بروح انسان /باحلم بصدر حنان /باحلم بكل مكان /دفن الآهات، وبيدفن الأحزان).
لكن هذه العلاقة ، لاتلبث أن تتطور سريعا إلى ماهو أكبر من مجرد الحلم، متخذة من الأبعاد ماهو أعمق أثرا وقدرة في تشكيل ذات (كامل عيد)، بفعل الأحداث الكبار التى عاشها الوطن، وألقت بظلالها الكثيفة على عالمه الشعري، انظر ذلك الإصرار (المبكرجدا) على الصمود والتحدى في مواجهة ماجرى، وتأمل لهجة خطابه الآمرة الواثقة وهو يحذر الشهيد عشية الهزيمة في 67، في (امبارح لأ: 9 يوليو 67)، يقول: “حمدان ياابن امي وابويا /ألف رحمه عليك /حسك تدفن راسك في الوحل /حسك تتألم أوتخجل ـ اتطمن /الأرض بتترجرج غليان /الأرض امك بتضمك /وبتغسل شرفك م الأحزان”
بهذه القوة، صهرت وقائع يونيو وماخلفته من مرارة وألم (كامل عيد) في بوتقتها اللافحة، واستنفرت فيه الهمة القابعة في الذات العاشقة الغيورة على الوطن والأرض والعرض، وأمدته بمعين لا ينضب من المستفزات الملهمات، ورغم ما وقرته الهزيمة ــ آنذاك ــ من مشاعر اليأس والإحباط والإنكسار في نفوس الجميع، بقى هو، ومنذ اللحظة الأولى ، صلب العود ، شامخ العزة، رافضا أن يرى نفسه مجرد رقم في الطابور الطويل من المنهزمين والمنسحقين، حتى وإن كنا نلمح من وقت لآخر نبرة حزن منفلتة، أو عبرة ألم توشك أن تهزمه، تأمله وهو يخاطب زوجته في المهجر بعد شهور خمسة من النكسة، لتدرك كم كان الوطن متوغلا في ذاته حتى في ذروة الألم؛ يقول لها في (جواب من السويس: 24/10/1967): “حنِّي كفوفك حنه سويسي /ابكى سويسي /نزلى دمعاتك حنيهم غنوه حزينه /لو ضحك النوار في طريقك سامحيه /مسكين سارقاه السكينه”.
لقد تحول العصفور المغرد الحالم بالسعادة والحرية في (أحلام الكلام)، والمنتمي لكل الأشياء الجميلة في (الإنتماء)، إلى محرض على البكاء والغناء الحزين في (جواب من السويس)، ولِمَ لا، فقد سقط الحلم الجميل أمام عينيه سقوطا مروعا ومفاجئا ، مخلفا وراءه آهة حارة متأججة، ألما على ماضاع، وحزنا على ماجرى؛ انظر كيف (يبكي) على ماجرى للبلد في (السويس)، وما ألم بها في (غنوة سويسي: 15/11/1967، يقول وقلبه يفطر دما: “آهين يابلد عمري /يا باب لبحر والمصنع /ولميتي الشبك بدري / أيا بلدي.
لكن الذات العاشقة أبدا لا تستسلم، تحاول بإصرار أن ترتفع على الألم والحزن، تبحث عن نغمة بديلة من الأمل والتفاؤل، تفتش عن ضحكة حقيقية فلا تجدها ، فلكى تعود الضحكة لابد لها من شروط، يعلنها (كامل عيد) في (ضحكتي وش البلد: أكتوبر 1969):” أبتدي أضحك بحق /لما أشوف الراية مصري زاينه سينا /واما نبقى كلنا في الحرب صحبه /نتقتل .. نقتل .. نموت”

وإن كان الشاعر قد أطلق (لاءه) الأولى في قصيدته (امبارح لأ: 1967)، فقد تلاها (بلاءات) أخرى كثيرة في قصائده التالية: لا للسكوت ونعم لإسترجاع الحق بالقوة (العهد، ريس البحريه: 1968)، لا للهزيمة ونعم للتطلع إلى النصر (كلام لسيد درويش: 1968)، لا للإستسلام ونعم للقتال وللجندى المقاتل صانع الصباح من العدم (بيان مصري، تسلم لنا: 1969)، لا للرضوخ للأمر الواقع أو قبول الهزيمة ونعم للإصرار على رفض الصبر وأخذ الثأر (أيوب السويس: 1969)، لا للخوف من الحرب ونعم للإصرار على خوضها مهما كان الثمن (الفجر عا الطريق: 1969)، ثم لا للا سلم واللا حرب ونعم لفتح النيران لتصحيح الخارطة، والمطالبة بالثأر من مغتصبي الأرض، وميتمي الأطفال، أنظر: (ثلاث حواديت من الجبهه: 1971) يقول: “يا أمينه يا بنت حسين مسعود /مع إني أبوكى حسين وبا عزك /لكن أبدا ماحسامح /ولا تبقي بنية أبوكى صحيح /إن شب وليدك (أحمد زين الدين عثمان) /يعرفش الحق /أو مين خلاه من صغره يتيم /لو شب الواد ولا خدش بتار الأرض؟”.
هكذا، ظلت قضية تحريرالأرض تشغل المساحة الأعظم في عمق الذات، فلم يتوقف اهتمام (كامل عيد) بها لحظة واحدة ولست سنوات كاملة هي عمر الهزيمة، توالت خلالها قصائد مناجاة المعشوقة المستباحة (سيناء)، والتي طال انتظاره لها، وما أن انطلقت إشارة العبور الأولى، وحانت لحظتها المرتقبة الحاسمة، حتى انطلق هو الآخر يسجل في دفتر أحواله تلك اللحظة المقدسة في الآن ، أنظر : مشهد العبور من أوبريت ( السويس حبيبتى : 16/10/1973 ) يقول: “دفعتنى الروح بالروح جدفت /وصلت الشط /م الفرحه حضنت الأرض /حنيت بترابها إيديا عزفت / ياحبيبتى يامصر”.
لم تكن لحظة العبور عند (كامل عيد) مجرد موضوعا للإبداع، أومناسبة لنظم الشعر وإلقائه فى المحافل والتدوات، وإنما كانت بالنسبة له؛ لحظة العناق الطويل بين ذاته المتشوقة، وموضوعها الملهم، بعد سنوات الإغتراب الطويلة، والبطيئة، والثقيلة بآلامها وأحزانها.
لقد استمر هذا العناق طويلا، وبلا توقف، ربما لسنوات، دون أن يفقد حرارته الأولى، أنظر: (خرزه في عقد حب: ديسمبر 1974 )، (أذكركم في عيد النصر: 1975 )، (كلمه لمصر: 24/10/1976)؛ كم كان الوطن بالفعل ، وبحق ، متوغلا فى عمق ذات (كامل عيد)، حين قال في (مواويل المواويل: 30/6/1980): “من قبل مانتولد مكتوب نقابل بعض /أنا زرعه في ضفتك وانت المدد والرد /ده انا اللى شربت وأكلت من خيرك /وحاربت بيك يانيل حرب الشرف والعرض”.
لكن العلاقة بين الذات، والموضوع (متمثلا في الوطن) لا تتوقف عن هذه النقطة، بل تكتسب بعدا إضافيا عندما تتجاوز المفهوم العام والمجرد للوطن إلى نطاق أكثر تحديدا ـ رغم رحابته ـ هو النطاق المادي الواقعي له متمثلا في عنصرى المكان والناس.
انطلاقا من هذا الفهم، يصبح من الممكن تمييز هذا البعد (الإضافي) في علاقتين فرعيتين ينبثقان من ذلك البعد الأساسي المجرد، هما علاقة (الذات /المكان)، وعلاقة (الذات /الناس)، باعتبار أن المكان، والناس هما (الموضوع) المادي في العلاقة الأولى، والواقعي الحي في الثانية.
أما العلاقة الأولى (الذات /المكان)، فيمكن استجلاء ملامحها في ديوان أصل الحكاية عبر وفرة من الشواهد الشعرية التي تدلل على ما للمكان من أهمية ـ تاريخا وقيمة ـ في ذات (كامل عيد)، الذي يستخدم مستويات بلاغية ثلاثة للمكان، المستوى الأول: اشاري صرف، كما في عناوين عدد ملحوظ من القصائد؛ نذكر منها: كلمة لمصر، أغنية للسويس، حدوتة مصرية، جواب من السويس، غنوة سويسي، أيوب السويسي، من مفكرة راجل سويسي، ثلاث حواديت من الجبهة، كلام للسويس، أوبريت السويس حبيبتي، السويس تغني. المستوى الثاني: دلالي، باستخدام المكان (كدال) بما يثيره من معنى فكري أو وجداني أو عاطفي (كمدلول) كما في (ثلاث كلمات للحب ـ كلام مصري ـ 1968)، يقول: بحبك سواقي /بتسقي الشراقي /يموت القلق /بحبك مصانع /مداين جناين /بعقد وحلق .، المستوى الثالث: تصويري، فالمكان من منظور (كامل عيد) أبعد من هذا وأعمق، فهو لا يعبر فقط عن الصورة العيانية الساكنة للوطن (مستوى الإستخدام الإشاري للمكان)، أو حتى عن المعنى المخبوء وراء الرمز المكاني (مستوى الإستخدام الدلالي للمكان)، إنما يتخطى حدود هذين الإستخدامين إلى استخدام المكان كعنصر رئيسي في الصورة الشعرية، واعتباره كيانا حيّا يتأثر بالأحداث وينفعل لها، انظر مثلا ( بيان مصري ـ 1969)، يقول: اضرب، اضرب، اضرب /صحى تراب سينا الغليان. وانظر أيضا (ثلاث حواديت للحب ـ فبراير 1971 ) ، يقول : وش السما أحمر /وش السما دخان /وش السما غايم /قلب البلد أحزان /لكنه مش نايم. وفي (خطابين للشعب ـ السوق ـ 24/10/1974)، يقول: على قد ما تألمت والنصر أحياني /شفتك يابلد (الغريب) م الغربة بتعاني /على قد ما لفيت ورجعت بمعاني /شفت السويس بتئن. 
أما العلاقة الفرعية الثانية (الذات /الناس) فهى نهاية المطاف، وغاية الغايات في علاقات الذات بالموضوع، فيها يمثل الناس ــ حسبما تؤيده الشواهد الشعرية في أصل الحكاية ــ الجوهر الأصيل العميق الذي تحوطه وتحتضنه وتتوحد معه ذات (كامل عيد)، إنهم دنياها وعالمها الرحيب، هم كينونتها وصيرورتها، بقاؤها وفناؤها، تحيا بهم ومن أجلهم، تحلم لهم ومعهم حلم الحياة الأجمل في بساطته، والأروع في مثاليته، يؤرقها همومهم، وتشقيها أحزانهم وآلامهم، إنها ذات عاشقة للناس، مؤمنة بقضاياهم وبلا حدود.
تمضي رحلة الذات في علاقنها مع الناس عبر شواهد شعرية لا حصر لها ويمتلىء بها ديوان (أصل الحكاية) ابتداء من (غنوة سويسي ــ 15/11/1967)، والتي يتجلى فيها حميمية تلك العلاقة، يقول: نسجت بقلبي موالك وغنيته /مع الشغيله في المصنع /مع البمبوطي في المينا وعا المركب /مع فلاحك الضاحك على كتفك /وسار يتحاكى با مجادك.
وتستمر الرحلة الطويلة دون توقف: فيتأسى للناس الذين يتعرضون لقصف العدو في (جواب من السويس ــ اكتوبر 1967 ـ ص 53)، ويمسح دمعات المطحونين في (سؤال ــ مايو 1968 ـ ص 84)، ويؤكد حبه لمصر عبر العامل والفارس والدارس والشاعر في (كلام مصري ـ 1968)، يقول: “أحبك عروسة /في إيد بنت عامل /بيبني البلد/بحبك حصان /بيرقص بفارس /وطالع سبق /بحبك مدارس / ودارس وشاعر /ورنة وتر ” .
ويستمر (كامل عيد) في عشقه للناس، فيدعو بالسلامة لذوي الهمة، وراوي الحبة، والمدافع عن الحق في (تسلم لنا ـ فبراير 69 ـ ص 83)، ويعلق ضحكته بفرحة الناس وسعيهم في اطمئنان في (ضحكتي وش البلد ـ اكتوبر 69 ـ ص 65)، ويشيد بصناع السد وعماله في (صناع السد ـ ديسمبر 70 ـ ص 85)، ويغني للإنسان والناس الذين يتبادلون الحب والمرابطين على خط القناة دفاعا عن الوطن في (الشاعر والقضية ـ مارس 70 ـ ص 71)، وينقش بروحه النياشين للسهرانين من عمال البترول في (كلام للسويس ـ فبراير 71 ـ ص 91)، ويتألم من أصحاب الفكر المخضرمين الذين أخافوه من أن يبدع بحرية في (حكايات السفر الطويل ـ مارس 73 ـ ص 87)، ويحفز العامل على انجازه ويباهي بفنه، كما يسعد بعودة الناس إلى مدينة السويس للمشاركة في فرحة النصر والعودة في (السويس تغني ـ سبتمبر 74 ـ ص 97)، ويتألم من صاحبه الذي باعه بثمن زهيد، ومن الكدابين والغشاشين والمشغولين بالعرش، كما يتألم من جرح الأصحاب الأندال، ومن الغربة والأغراب في (حكايتين للشعب: السوق ـ اكتوبر 74 ـ ص 101، 103)، ويؤكد في (بكره إيه ـ اكتوبر 74) أن تحقيق حلم الغد المنتظر لا يمكن أن يكتمل بدون يقظة الناس، يقول: “بكره لجل ما يبقى أخضر /مش كفايه الحلم بيه /بكره عايز ناس ماتهدا /ألف ألف وألف عين /إيد حديد تقطع الإيد اللي تنهب”. ويلقي تحية الصباح على العامل (الأسطى)، ويدعو للحب والعمل في (سلام بالحب ـ 75 ـ ص 108 ، 109)، ويذكرنا بما قام به الناس لإستعادة الأرض في (أذكركم في عيد النصر ـ 1975)، يقول : “أنا المكتوب على قلمي هنا با املي حكاية العمر أحكيها / حكاها الدم من قلبي نسجها الدان /كتبها الناس بضوافرهم على الإسفلت والجدران /كتبها عليوه وابو خاطر وعم سويلم البقال أبو العيال / وناس مجهوله أساميهم في دنيتكم كما في دفتر الأحوال” . ويعبر عن ألمه بسبب ضيق الرزق وبسبب تراخي البعض عن أداء واجبهم اعتمادا على الآخرين في (الربيع والناي ـ مايو 77 ـ ص 32)، ويؤكد أن الشعب حى وسيظل في (في ذكرى ماجرى ـ يناير 77 ـ ص 120)، ويتأسى على ما آلت إليه أحوال الناس وتحكم المادة فيهم، ويتساءل عن سبب دموعه فيعرف أنها داء الغلابة الناتج من الأنين والسكات، ويوضح رأيه في الغربة بأنها ليست غربة السفر، وإنما هي غياب الأهل والناس في ( موواويل الموواويل ـ يونية 80 ـ ص 121)، ويتساءل في ( البكاء للداخل )، يقول: يا هلترى هجرتني روحي المؤمنه /بالحب والناس البساط /واللا أنا عفت الحياة بالغربة مزروعة بآهات .
ولا غرابة، إن طالت رحلة الذات مع موضوعها الجوهر (الناس)، وليس ثمة تعليل يبررها سوى ماقاله (كامل عيد) نفسه في (ثلاث كلمات في الحب ـ 1968) إذ يقول: ولإني بحب الناس /والناس بالناس تتحب /خطيت بالقم الحرف، كتبت الشعر .

السابق
أنا والملتزمة
التالي
صوت الموسيقى

اترك تعليقاً

*