القصة القصيرة

الربيع الغائم

كان شتاءا استثنائيا. هبوط الثلج في المناطق الدافئة حدث غير طبيعي تتفاوت الآراء حوله. المتشددون ينذرون بالويل والثبور وعظائم الأمور بسبب انحلال المجتمع وغضب السماء. العلماء يعزونه إلى تبدل المناخ بسبب تدخل الإنسان والثورة الصناعية السلبية التي أثرت على كل شيء في الكوكب المسكين… استكمل تأملاته في الظواهر الكونية وهو يتحرك بصعوبة شديدة بين الفراش والنافذة المواجهة للحديقة الصغيرة بمنزله الريفي. دخلت عليه زوجته الشابة فوجدته يحاول الوصول للمقعد. أسرعت لتساعده وهي تلومه على عدم دق الجرس لتحضر له. ابتسم لها وهو يداعب شعرها الحريري قائلا: أتعبتك معي يا حبيبتي. ابتسمت له وهي تضع الغطاء على ماتبقى من جسده النحيف. حدثته وهي تغالب دموعها مداعبة: شدة وتنتهي، لا زلت في بداية شبابك، أنت لم تكمل الأربعين بعد. هل تريد الهرب من وعودك لي بالسفر حول العالم؟
جلس أخيرا على المقعد المريح ثم جلست بجانبه، طلب رؤية أبنائه الثلاثة لاشتياقه لهم، وعدته بإحضارهم نهاية الأسبوع من المدينة في إجازة المدارس، أسرعت بمسح دموعه وهو يتحدث قائلا: كنت أتمنى أن أراهم يكبرون، لا أعلم سر هذا المرض اللعين الذي يتمكن مني كل يوم، عجز جميع الأطباء عن معرفة سر هذا المرض، كل أعراض سرطان الدم، ولكن لا أثر له، هل عندي المرض الخفي؟ ابتسمت تخفف عنه قائلة: لابد أنه اختبار لصبرك وعزيمتك، لقد وهبت من كل شيء فلا ترفض اختبارا صغيرا. وضع رأسه التي سقط شعرها على كتفها ليرتاح قليلا، فوجئت بأنفاسه تتقطع وينهار بين يديها، أسرعت بطلب طبيبه في المدينة فلم يرد، طلبت من حارس المنزل إحضار طبيب الوحدة الصحية القريبة بأسرع وقت ممكن، غير مقتنعة به أدخلته ليسعفه، أجرى عملية إنعاش سريعة، أفاق قليلا واسترد بعض أنفاسه، غيرت الزوجة نظرتها للطبيب قليلا بعد أن وجدت زوجها يسترد وعيه سريعا على غير العادة بعد أن استخدم علاجا مختلفا تماما عما تعودوا عليه. طلب منها الطبيب الشاب معرفة التاريخ المرضي لزوجها، أخبرته أنه بدأ يشكو من أعراض الصداع النصفي وصعوبات في تناول الطعام والوهن والتعب لأقل مجهود منذ ستة أشهر بدون مقدمات، ثم بدأ الأمر يتطور إلى هزال شديد بعد رفض جسمه العلاج وعدم قدرته على تناول الطعام، سافرنا للخارج فكان الإعتقاد أنه سرطان الدم، لكن أثبتت التحاليل أنه لا يعاني منه أو من أي مرض معروف، عدنا مرة أخرى واستمر أطباؤه في علاجه دون تقدم، ثم همست في أذنه: الطبيب الأساسي وهو الأستاذ الأول في مجاله أكد أنه سيموت قبل الصيف القادم بسبب تدهور الكبد والرئتين، وطلب عزله في بيئة صحية ويبعد عن الصغار تحسبا لأن يكون مرضا معديا.
طلب منها الطبيب الشاب ان يشرف على علاجه في الفترة التالية، بشرط ألا تخبر أحدا، وافقت مترددة بعد أن شاهدت الإهتمام الشديد في عيون الطبيب إضافة إلى تفهمه للحالة سريعا، عاد لها في اليوم التالي فوجدها في قمة السعادة والانبهار، استقبلته بترحيب شديد وأوصلته إلى زوجها الذي وجده جالسا وحده على مقعده المفضل لأول مرة من عدة أشهر، أجلسه أمامه وسأله عن سر ما فعله، ابتسم الطبيب الشاب قائلا: لا شيء مطلق في العلم.
إذا توقف الفكر العلاجي عند نقطة معينة فلابد أن ننظر خارج الصندوق، وحقيقة أنا أشك في شيء معين ولهذا جئت اليوم لأطلب منكم سحب عينة من النسيج الجلدي ومعها عينة دماء، لم يمانع مريضه وزوجته في أن يحصل على عيناته فبصيص الأمل الذي منحه لهما يستحق المغامرة، بعد حصوله على ما يريد وأثناء خروجه فوجئ بالأستاذ الكبير المعالج يدخل من الباب منفعلا بشدة، سأل زوجة مريضه عن المهزلة التي تحدث، كان الطبيب الصغير يعرفه جيدا، فهو علم من أعلام كلية الطب وأحد أساتذته المشهود لهم، أسرع نحوه ليسلم عليه لكن الطبيب الكبير رفض حديثه وصاح فيه: أنت إذا من أوقف البرنامج العلاجي أيها الصغير الجاهل.
أثارت الكلمة باسم بشدة فتحدث قائلا: أستاذنا الدكتور العالم الكبير هو من طلب منا أن نتعامل مع الحالات المرضية المستعصية بطرق غير تقليدية، أنا أعمل على معرفة السبب الرئيسي للحالة المرضية وبعدها يكون من السهل وصف العلاج، ومع احترامي للجميع، لم أجد وصفا دقيقا للمرض،
صاح فيه الطبيب الكبير: الكلام النظري الأكاديمي يختلف تماما عن الحالات المرضية، أنت فاشل وإلا ما تحولت للعمل في وحدة صحية ريفية لا قيمة لها.
اشتعل الغضب بباسم فعلى صوته قائلا: يا دكتور لقد كنت الأول على دفعتي منذ عدة أعوام ، وقد تم تعييني معيدا في كلية الطب بالجامعة الكبرى الثانية بالمدينة، وأنا الذي طلبت الحضور إلى هذه المنطقة في هذه الفتره من أجل جمع المادة العلمية للماجستير ومساعدة أهل المنطقة.
استمر الإنفعال على الطبيب الكبير حتى صاح فيه: أخرج من هنا أيها المدعي، سوف أوقفك عن العمل في كليتك وأتهمك مباشرة بالإهمال. خرج باسم منهارا فاقدا الرغبة في كل شيء، بينما قام الأستاذ بتغيير الممرضة الملازمة لحالته المرضية لعدم إبلاغه بما حدث فورا وطلب من زوجة مريضه الإلتزام المطلق ببرنامجه العلاجي.
بعد أسبوع فوجئ باسم بزوجة المريض تدخل عليه في حالة انهيار، أسرع معها بعد إلحاحها الشديد، وجد زوجها في حالة احتضار فعلي، سألها عما حدث فأخبرته أن الطبيب الكبير قد ضاعف الجرعات العلاجية كذلك زاد من معدل الحصول على الكورتيزون، توفي المريض بين يديه، طلب من الزوجة المنهارة عدم تحريك أي شيء من مكانه مع الاحتفاظ بجميع الأدوات التي كان يستخدمها زوجها خلال العام الأخير، أسرع إلى قسم الشرطة القريب وأبلغ بوجود حالة قتل متعمد. انتقلت قوة المباحث مباشرة إلى الفيللا وحاصرتها، بعد السيطرة على الموقف حضر فريق التحقيق من المدينة ومعه فريق الطب الشرعي.
بدأت عمليات رفع الأدلة على الفور وسط ذهول الزوجة وترقب العاملين في الفيللا، حضر أشقاء القتيل ووالديه وبعض أقاربه ومعهم زملاؤه في العمل، أنكر الجميع عملية التفتيش والشك في الجريمة لأن الضحية كان مثاليا قد أكد الأطباء أن تدهور جهازه الهضمي والتنفسي مع انهيار عضلة القلب إنما سببه الإصابة بفيروس ما لم يتم اكتشافه.
وصل عندها الطبيب الكبير ثائرا غاضبا كالعادة، أكد للجميع أن الوفاة طبيعية ناتجة عن المرض النادر وأن كل هذه الإجراءات باطلة لا يبغي منها ذلك الصغير الجاهل سوى الإساءة لسمعته.
طلب منه المحقق الهدوء وسيبدأ معه أولا.
دخل الطبيب الكبير غرفة المكتب التي تم إعدادها للتحقيقات فوجد باسم في انتظاره مع وكيل النيابة، ثار مرة أخرى وأخبره أنه اتخذ إجراءات وقفه عن العمل.
طلب منه وكيل النيابة الهدوء بينما تحدث باسم قائلا:
ألا تقرأ روايات بوليسية يا دكتور؟
نظر إليه على ثورته قائلا:
هل تهزأ بي؟
باسم: على العكس، أحاول التفكير خارج الصندوق. أجاثا كريستي أشهر وأهم من كتب عن الجريمة لها رواية شهيرة صدرت في بداية الستينات اسمها The Pale Horse أو الحصان الأشهب.
الطبيب الكبير: ومادخلي أنا بهذا الهراء؟
باسم: لو كنت قرأتها كنت أدركت منذ اللحظة الأولى أن الأعراض التي اشتكى منها الضحية هي أعراض تسمم.
الطبيب: لقد أجرينا له في البداية اختبارات السموم جميعها.
باسم: كان التركيز أقل من الطبيعي الآمن، لو كنتم أجريتم له تحليلا في مرحلة تالية كان سيوضح التركيز العالي للثاليوم في الدم.
الطبيب مستنكرا: الثاليوم؟ ما هذا الهراء.
باسم محتدا: أنا أحضر دراساتي العليا في السموم، وكما تعلم بالتأكيد فالثاليوم تستخدم أملاحه في مركبات سموم الفئران، ولتشابه جزيئاته مع جزيئات البوتاسيوم فإنه يحتل مكانه في الخلايا فيعرقل أكسدة الفوسفور ويمنع عنك الطاقة، يحدث الهزال واضطراب العضلات والأعصاب لأنها الأكثر احتياجا للبوتاسيوم، واد جرام من سلفات الثاليوم تقتل فورا، لكن استخدام جرعات قليلة على فترات طويلة يسبب الوفاة التدريجية ويعطي أعراضا لأمراض مختلفة.
الطبيب: هل ستعطيني درسا أيها الصغير؟ أنا أعرف كل ذلك
المحقق: ولما كنت تعرفه لماذا لم تكتشفه وتعالجه؟
ارتبك وتلعثم بينما واصل باسم الحديث قائلا وقد ظهرت عليه الجدية:
لقد أخذت عينة الأسبوع الماضي لتأكيد ظني وهو ما حدث بالفعل، لكن للأسف الشديد لم تظهر النتائج سوى بالأمس، وقد قدمت ضدك شكوى عاجلة في النقابة بالإهمال الجسيم.
وكيل النيابة:
ونحن بدورنا سنوجه لك تهمة القتل الخطأ، وإذا ثبت أنك كنت تعلم بما يحدث فسيكون القتل متعمدا.
انهار الرجل على المقعد غير مصدق لتصاعد الأحداث، طلب المحقق من الحارس اصطحاب الطبيب الكبير إلى سيارة الحجز.
أكمل الطبيب الشرعي فحص الجثة الظاهري وأخذ عينات من جميع الأدوات الموجودة في غرفة النوم و حجرة الطعام. طلب منه المحقق إعطاءه نتائج أولية سريعة عن طريقة وصول الثاليوم إلى جسد القتيل.
استمرت التحقيقات مع الجميع طوال اليوم حتى جاء التحليل المبدئي الثاليوم موجود في زجاجة العطر الخاصة بالضحية.
استدعى وكيل النيابة الزوجة من جديد، سألها عن العطر الذي يفضله زوجها، أخبرته أنه لا يغير عطره تقريبا ويأخذه من أحد أصدقائه منذ مدة طويلة، سألها عن طبيعة علاقته بذلك الصديق، أخبرته أنهما مقربين جدا وشركاء في بعض الأعمال.
كان الصديق حاضرا منذ علم بالوفاةـ استدعاه المحقق وبدأ بسؤاله عن بياناته الشخصية: أمير الراقي، رجل أعمال
المحقق : طبيعة علاقتك بالقتيل.
أمير: أصدقاء طفولة وشركاء عمل.
المحقق: وهل هو شريكك في مصنع العطور؟
أمير: العطور وتركيباتها هوايتي الأثيرة منذ صغري، وأصدقائي يدعمونها بإصرارهم على دفع ثمن ما يأخذونه مني ويختارون التركيبات التي تناسبهم، والمرحوم كان يحب تركيبة معينة أحبها أنا أيضا ولهذا كنت أصنع لنا دوما زجاجتين كل عام هو يأخذ الزرقاء وأنا آخذ الوردية، هي هواية لم أتاجر بها من قبل.
المحقق: ولكن الزجاجة التي وجدناها عنده كانت وردية اللون
أمير: نعم، لقد أصر هذا العام على الحصول عليها متحججا بأنني أخدم زجاجتي أكثر منه. ورضخت رغم علمي أن زوجتي سوف تغضب بشدة لأنها أخبرتني أنها أضافت لزجاجتي دموع عينيها هذا العام.
المحقق: ومتى حصل منك على الزجاجة الأخيرة؟
أمير: قبل حوالي ستة أشهر.
نظر وكيل النيابة إلى المحقق، ثم سأله مباشرة:
هل لك أية علاقة بالمركبات الكيميائية؟
أمير: كل عطوري من مكونات طبيعية، وكانت تساعدني زوجتي بحكم أنها أستاذة كيمياء في الجامعة.
المحقق: وما طبيعة علاقتك بزوجتك؟
أمير: كانت تغار علي بجنون، ودائما ما تتصنع المشاكل لأتفه الأسباب.
المحقق: وأين يمكن أن نجدها؟
أمير: في مقابر المدينة، فقد توفيت الشهر الماضي بمضاعفات سرطان الرئة، فقد كانت مدخنة شرهة.
المحقق: هل تعلم أنها كانت تحاول قتلك.
أمير مذهولا: كيف ذلك؟
المحقق: من الواضح أنها وضعت مركبا كيميائيا ساما في زجاجة العطر الخاصة بك، لكن حظ صديقك السيئ جعله يتمسك بها هذا العام.
أمير ضاربا رأسه بيده: يا إلهي، لقد كانت تقول لي أنها ستأخذني معها ولن تتركني أستمتع بحياتي مع أخرى بعدها، لهذه الدرجة ممكن أن تصل الغيرة؟
وكيل النيابة: ومن الحب ما قتل……

السابق
هلوسات مريبة
التالي
آية

اترك تعليقاً

*