القصة القصيرة

الرسالة

غرفة متوسطة المساحة ذات طلاء أبيض متكسر ، جهاز تلفاز أخذ مكانه قرب النافذة المطلة على حديقة المنزل ، في الوسط امتدت مائدة دائرية ذات لون بني ، تتوسط سريرين وضعا على شكل لام في الخط اللاتيني، ملابس أكل عليها الدهر وشرب أخذت مكانها على ظهر الباب الذي لم يكن مفتوحا بالكامل…

عادل وحده في الغرفة ، مستلق على أحد السريرين التوأمين ، بين يديه هاتفه النقال ، يبحث عن شيء ما ، الحق أن البحث عن المجهول متعة لا تضاهيها متعة أخرى ، واستقصاء الجديد هم إنساني منذ الأزل…

الصوت الصادر عن جهاز التلفاز يثير انتباهه بين الفينة والأخرى ، يرفع رأسه ليرى ما يجري في العالم ؛ خبر عاجل عن واقع عربي متعفن ….إشارة إلى أنظمة مجتمعات فاتها الركب الحضاري وصارت عالة على الدول المتقدمة…فلاش عن إنجاز رياضي أو علمي لا يسمن ولا يغني من جوع في تنمية مجتمع عربي انتهت صلاحية وجوده…معلومة عن انفجار في بلد عربي قابل للانفجار أصلا … وصفة إشهارية بنكهة جنسية…إعلان عن اختلاس أموال عامة من طرف جهة مجهولة علما أن الفاعل معلوم…البحث عن آليات صيانة حكومة محكوم عليها بالموت مسبقا…التهديدات المتوالية للموظفين هنا وهناك وفي مختلف القطاعات …انتخابات ارتدت لباس الديمقراطية قصرا والنتيجة فوز ساحق بنسبة 99.99 في المائة…

ما زال عادل يبحث في هاتفه النقال ، يتعامل مع أزراره بدقة واهتمام ، يكتب ، يقرأ ، يمحو، يعيد الصياغة، يبحث عن الكلمة المناسبة للمعنى المنشود، مرة يبتسم ابتسامة المنتصر ، ومرة يمتعض ويعبس كأن جاءه الأبكم الأصم الأعمى..

يرفع رأسه إلى السقف وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة، تنبعث من أعماقه تنهيدة لو ألقيت على الزهرة الفيحاء لذبلت، وعلى الصخرة لاندثرت .. تتراءى أمام عينيه صورة من استشرى حبها في قلبه ، ولم يعد يملك للابتعاد عنها سبيلا….

حلق في أرجاء الغرفة وكأنه يبحث عن منفذ أو وسيلة تجعل الصورة حقيقية وواقعا معاشا…ابتسم لطفولة أفكاره ، وبراءة تصوراته..

تذكر طليقته وسنوات الألم والحزن ولحظات النكد والشقاء ، 10 سنوات لم يحظ فيها ولو بلمسة تقدير ، أو لحظة حب واحترام حقيقية…الخصام كان دائما في انتظاره، والتنازل كان دوما اختياره وقراره…قد يكون ضعفا وقد يكون شهامة…

رنين الهاتف الذي لم يدم إلا ثواني معدودة أعاده من شقاء الذكرى ، نظر إلى شاشة الهاتف ، رقم مجهول كالعادة ، قد تكون صاحبته التي لا ينفك يفكر فيها ، وقد تكون طليقته التي لا تبرح تخلق له المشاكل والمتاعب التي لا حصر لها ..

غير أن الحب أقوى وأبقى وإن طال الزمان به ، لم يهتم بالرنة الصوتية بقدر ما أولى اهتمامه إلى الرسالة التي يكتب …ما زال يحرر ، يمحو ، يعيد الصياغة ، وما زال الصوت ينبعث عن جهاز التلفاز ، يقاطعه بين الحين والحين صوت خارجي لطفل يبكي ، أو أم غاضبة تصرخ ، أو متسكع في الشارع يسب ويلعن ،أو فرامل سيارة يقودها سكير متهور، أو نباح كلاب ضالة لا مأوى لها ولا مستقر..

الساعة تشير إلى العاشرة إلا ربع ..لم يبق سوى هذا الربع ويبدأ بث المسلسل المغربي “العين والمطفية”* الذي واظب عادل على مشاهدته منذ الحلقة الأولى…

نظر مرة أخرى إلى هاتفه ، الرسالة تكاد تكتمل ، لم يبقى غير كلمة أو كلمتين ليتم إرسالها إلى من شغلت حيزا مهما من حياته، كان كل أمله أن تحظى رسالته باهتمامها بقدر ما ينال هو إعجابها.

أعاد قراءة الرسالة ، ردد بعض جملها بصوت عال:
-أشهد ألا امرأة إلا أنت.
-إن كان لكل شيء رتبة فحبي لك في أعلى الرتب.
-ليتني بسمة دائمة على ثغرك.
-استجيبي ، رجاء .إني أحبك.
-I cant live with out you

ختم عادل القراءة بقبلة طبعها على شاشة الهاتف وكأنه يضمنها الرسالة إلى التي أخذت عقله وتربعت على عرش قلبه ، ثم ضغط على زر الإرسال بعدما ركب الرقم المختار…

وضع الهاتف جانبا ، لف يديه على مؤخرة رأسه ، وراح يتابع الحلقة الجديدة من المسلسل المعهود وقد جعل من حبيبته شخصية من شخصيات المسلسل لها أكبر الأدوار فيه..

* العين والمطفية مسلسل مغربي .

إجازة في اللغة العربية وآدابها ،كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، الدار البيضاء.
أستاذ

السابق
خيلاء
التالي
عادت والحيرة تأكل أنفاسها …

اترك تعليقاً

*