القصة القصيرة جدا

الرعب الأبيض

لأول مرة بات يكره اللون الأبيض، كان من قبل يدمنه حبًّا، يأسره لون الثلج، اللبن، ثوب الزفاف، شعيرات الجد المتناثرة على صلعته الوقور، وجه النهار الباسم، اليوم راح يقلب وجهه أسفًا بين السحب التي تعلو رأسه، والرمال المترامية على مد بصره، حتى تلك المنحوتات الصخرية الجاثمة؛ كالفِطر الهائل؛ أو كانفجار نووي متجمد، كانت كلها كتلًا من البياض القاتل.
شغفه بالتاريخ والآثار لا حد له، يحب الرحلات والأسفار والمغامرات، يعشق الصحارى والكهوف والجبال، يشاهد أفلامها، يقرأ قصصها، يتقصى أخبارها، يتخيل نفسه باحثًا مشهورًا يكتشف المجاهيل، تطبق شهرته الآفاق، يتردد اسمه على كل لسان، من أدغال أفريقيا حتى القطب المتجمد.
الصحراء البيضاء فتنة للناظرين، تسحر ألباب السياح، على بعد ساعات ثلاث من العاصمة، عيون الماء العذبة مبثوثة، الفنادق الفخمة مجهزة للمبيت، واحات ظليلة متناثرة، ليالي السمر البدوية لا تُنسى، متحف طبيعي مفتوح، يعج بالنباتات والأحياء النادرة.
المحاضرة الرائعة التي ألقاها المرشد السياحي، أذكت نيران أشواقه، خلبت لبه، أطارت النوم من جفنيه، التهم كتيب الإرشاد، حفظه عن ظهر قلب، لم يدر بخلده أنه سيضيع يومًا وليلة، يدور حول نفسه، لا يرى سوى السراب، حتى هاتفه الذي كان لا يهدأ، استحال قطعة بلاستيكية بيضاء. لماذا لم يتذكر إلا في هذا التيه أنَّ الكفن لونه أبيض؟

السابق
رقم
التالي
الشَّفير

اترك تعليقاً

*