القصة القصيرة جدا

الرُّعبُ الأبيضُ

لأول مرَّة بات يكرهُ اللون الأبيض، وكان من قبلُ قد شغفه حُبًّا، يأسره لونُ الثَّلج، اللبن، ثوب الزفاف، شعيرات الجدِّ المتناثرة على صلعته الوقور، وجه النَّهار الباسم، اليوم راح يقلِّب وجهه أسفًا بين السُّحب الفضية التي تعلو رأسه، والرِّمال الناصعة المترامية على مدِّ بصره، والزواحف والقوارض والطُّيور، حتى تلك المنحوتات الصَّخرية الجاثمة؛ كالفِطر الهائل؛ أو كانفجار نووي متجمِّد، كانت كلها كُتلًا من البياض القاتل.
العواء الذي يتردد صداه في جنبات الوادي. يقف له شعر رأسه هلعًا. حتى ظلُّ السحب العابرة يتشكل على الرمال ثعابين هائلة فاغرة الأفواه تسحب ذيولها أو ضباعًا جائعة تضحك هازئة منه. البقع السوداء في سقوف الكهوف هل هي خفافيش كامنة ستنطلق صوب وجهه في هجوم مباغت لدى أول حركة منه؟
إدمانه للتاريخ والآثار لا حدَّ له، يحبُّ الرحلات والأسفار والمغامرات، يعشقُ الصحارى والكهوف والجبال، يشاهدُ أفلامها، يقرأ قصصها، يتقصَّى أخبارها، يتخيل نفسه باحثًا مشهورًا يكتشف المجاهيل، تطبِّق شهرتُه الآفاق، يتردد اسمه على كلِّ لسانٍ، من أدغال أفريقيا حتى القُطب المتجمِّد.
الصحراء البيضاء فتنةٌ للناظرين، تسحر ألبابَ السُّياح، على بعد ساعاتٍ ثلاث من العاصمة، عيونُ الماء العذبة مبثوثة، الفنادق الفخمة مُجهزة للمبيت، واحاتٌ ظليلة متناثرة، ليالي السَّمر البدوية لا تُنسى، مُتحفٌ طبيعي مفتوح، يعجُّ بالنباتات والأحياء النَّادرة.
المحاضرة الرائعة التي ألقاها المُرشد السياحي، أذكت نيران أشواقه للترحال، خلبت لُبَّه، أطارت النَّوم من جفنيه، التهم كُتيب الإرشاد، حفِظه عن ظهر قلب، سافر مع أول فوج، سار حيث ساروا وحطَّ معهم الرحال، في الجولة الحرة انفرد بنفسه، جعل المعسكر وراء ظهره وانطلق مستكشفًا، حين فقد البوصلة وخيم الظلام، استبد به الخوف كطفل تاه من أمه وأضاع طريق العودة للبيت.
لم يدُرْ بخلده أنه سيضيع يومين وليلة، سار لا يلوي على شيء، يدورُ حول نفسه كعقارب الساعة، يلهث وراء السَّراب، حتى هاتفُه الذي كان لا يهدأ رنينه، استحال قطعة حديدية صمَّاء. لماذا لم يتذكرْ إلا في هذا التيه أنَّ راية الاستسلام والكفنَ لونُهما أبيض؟
آذته الشمس نهارًا والبرد ليلًا، جفَّ حلقه من العطش، تقرحت شفتاه، عضه الجوع بنابه، نسي كل ما تعلمه عن تحديد الاتجاهات بالنجوم، قلب بصره في السماء متحيرًا، كطفل يقف أمام لوحة سريالية لا يدري لها تفسيرًا.
بحثوا عنه حتى إذا يئسوا منه، دلهم على مكانه راعي غنم، ذكر أنه وجده في كهف محتضنًا صخرة بيضاء، وهو يهذي من الحمى، عن صندوق من الفضة يحوي كنوزًا مطمورة لقراصنة قدماء.

السابق
نكران
التالي
نيتشه رساما…

اترك تعليقاً

*