القصة القصيرة جدا

السارقة اللطيفة..

بعد يوم حافل بفوضى المشاعر وتشتّت الأفكار عدت إلى البيت، وأعددتُ نفسي وفراشي لنوم عميق، وشعرتُ باعتدال الجو وهبوب نسمات رقيقات، فشرعت النافذة وأرخيت ستارتها، واضطجعت محتضنًا وسادة الوحدة البائسة، وسرعان ما غططتُ في نوم عميق وظلام دامس.
كانت ذراعي اليمنى تمتدُّ إلى جانبي حين أزيح الغطاء الرهيف، واندسَّ ذلك الطيف في أحضاني كريشةٍ أو قطة ناعمة. ودسَّ ذراعه اليسرى تحت رقبتي. شعرتُ بأنفاسها، حين ضمتني إليها بقوة وحنان، وسحبتْ علينا الغطاء.
فزعت مرتعبًا، وتفلتُّ منها، فأحاطتني بقوة أكثر؛ لكنني سكَنتُ مكرهًا وخائفًا بعد أن قالت بنبرة حازمة: اهدأْ! لقد كنتَ تهذي وتنتفض، فكأن الحمى تجتاحك.
– إني ظامئ.
– لا عليكَ!
أحسستُ ببرودة قارسة تُحيل جسدي إلى جليد، وشعرت بأن نهايتي تقترب. ولكني تمالكت جأشي وخاطبتُ نفسي: ليس الآن.
كان صوتها في أذني هامسًا ناعمًا، ولم أتبين ملامحها في الظلام، وشعرت بها تدور حولي في حركة لولبية مفعمة بالألم.
– من أنت؟ كيف وصلت؟ بل كيف تسربت إلى ذهني المشتت ووجداني؟
لم أستطع إكمال أسئلتي، فقد شعرت بجاثوم يربض على لساني.
مدَّتْ يدها برفق تتحسس جبيني المتعرّق، وقالت: ما زلتَ تهذي! لقد أتيتُ لأسرق أوجاعك، وأنتشلها منك.
هدأتْ نفسي قليلاً، وسكن جسمي بين أحضانها؛ وحدَّثتُ نفسي: ستتعبُ وتبتعدُ حين ترى أن قلبي قد مات. واستجمعتْ قواي، وقلت: ماذا تريدين مني؟!
– سأطهّرُكَ من أغلالكَ وقيودكَ.
– أنا كتاب مقفل مهمل يعلوه الغبار وطواه النسيان.
– سأجلوكَ وأقرؤك فصلاً فصلاً.
– فصولي طويلة ومملّة.
– سأقرؤكَ حرفًا حرفًا، وأعرف بأيّ حبر خطّوكَ، وعلى أيّ ورق رصفوكَ.
– حروفي صعبة وغير مفهومة.
– سأتعلّم لغات العالم وأفكّكَ حروفكَ الصمّاء.
– ستتعبين بلا فائدة.
– اتركْ لي الأمر؛ فأنا أعرف دربي.
– الكتبُ كثيرةٌ؛ فاقرئي غيري.
– غلافكَ مُغْرٍ وعنوانكَ جذّاب.
– غلافي يكذّبه محتوايَ، وعنواني غير مضموني.
– لا يُوضَع العطرُ الفاخرُ إلا في أغلى القوارير وأجملِها.
– ستنشرين صفحاتي للريح، ثم تعيدينني إلى الرفّ؛ فيطويني النسيان.
– سأقرؤكَ مرّاتٍ ومرّاتٍ، بلا ملل.
استسلمتُ لحجِجها الدامغةِ، ومدَدْتُ ذراعي لأحتضنها، وخلّلتُ خُصُلاتِ شعرِها الفاحمِ بأصابعي، وتلاقتْ أنفاسُنا الحرّى، وتعانقنا باشتياق.
وهنا أدركَ شهرزادَ الصباحُ، فطارتْ من نافذة الأمنيات، وعدتُ إلى احتضان وسادتي البائسة.

السابق
طريق
التالي
استنزافٌ

اترك تعليقاً

*